اسماعيل بن محمد القونوي
411
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المصنف وقيل عنى به أي بالعالم الناس ههنا فإن كلا منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير الخ . وأنت خبير بأن التشبيه لا يقتضي اشتراك الطرفين من كل وجه بل يكفي فيه اشتراكهما ومناسبتهما في وجه واحد معتد به وقد عرفت أن العقل والماء يشتركان في كونهما سببي الحياة وكذا الفضائل المذكورة والثمرات مشتركات في التولد بواسطة الوسائط فيحسن ذلك التشبيه فلا وجه للإيراد بأن العقل إنما يقوم بسماء النفس وكذا الفضائل غير قائمة بالبدن فلا يلائم تفسير الماء النازل من السماء بالعقل إذ ليس نازلا منها بل قائما بها وكذا تشبيه الفضائل بالثمرات المستخرجة من الأرض . قوله : ( فإن لكل آية ظهرا وبطنا ) قال مولانا خسرو تلميح إلى ما روي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : قال رسول اللّه عليه السّلام أنزل القرآن على سبعة أحرف ولكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع ثم قيل ظهر الآية لفظها المتلو وبطنها المعنى الذي يفهم منه وقيل ظهرها ما ظهر منها من المعنى الجلي المكشوف وبطنها ما خفي من معناها ويكون سرا بين اللّه وبين المصطفين من أوليائه انتهى . وهذا المعنى الأخير هو الملائم لمذاق كلام المصنف وقيل ظهره ما استوى فيه المكلفون من الإيمان به والعمل بمقتضاه والبطن ما وقع التفاوت في فهمه بين العباد على حسب مراتبهم في الافهام قال الطيبي في شرح المشكاة فهم دقائق القرآن فلا يفيء الأعمار بأسرار أقل آية بل كلمة منه انتهى . ولذا قال عليه السّلام في حديث طويل ولا ينقضي عجائبه أي لا ينتهي غرائبه التي يتعجب منها حتى قال باب مدينة العلم سيدنا علي كرم اللّه تعالى وجهه ورضي اللّه تعالى عنه لو شئت أوقر سبعين بعيرا من تفسير القرآن لفعلته ولعل المصنف حمل الظهر والبطن على هذه اللطائف فلذا أورده تأييدا لما قاله . قوله : ( ولكل حد ) أي طرف من الظهر والبطن ( مطلعا ) بتشديد الطاء أي موضع اطلاعه على أن يكون المطلع اسم مكان أو اسم مفعول من الاطلاع بتأويل المطلع عليه أي الذي يصعد عليه ويرى منه ما قصد رؤيته فمطلع الظاهر تعلم العلوم العربية عن آخرها وتبع ما يتوقف عليه معرفة الظاهر من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والمجمل والمشكل وغير ذلك مما بين في أصول الفقه « 1 » ومطلع الباطن تصفية النفس والرياضة مع موافقة الشريعة بإتعاب الجوارح والقريحة والعمل بمقتضى ظواهر النصوص والأدلة ما لم توجد القرينة القوية الصارفة عن تلك الظواهر السنية فحينئذ يزول الحجاب بهبوب رياح الألطاف من الفياض الوهاب فينكشف له ينابيع الحكمة ودقائق المعرفة فيرى منه ما لا يرى غيره من بطن القرآن وحقائق العرفان والحمد والمنة للّه الملك الديان .
--> ( 1 ) ونعم القول ما قيل إن لهذا الحديث أيضا ظهرا أو بطنا أو مطلعا انتهى ولك أن تقول بل لكل حديث ظهر وبطن ومطلع لأنه عليه السّلام ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 4 ] .