اسماعيل بن محمد القونوي
396
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اشترطوا في نصب ما بعد فاء السببية بتقدم أحد هذه الأشياء لأنها غير حاصلة المصادر فيكون كالشرط الذي ليس بمحقق الوجود ويكون ما بعد الفاء كجزائها على ما حققناه في حواشيه ومنه علمت أن وجهه عندهم إنما هو عدم تحقق الوقوع في حال الحكم لا استحالته لعدم صحته في الأمر المطلوب الذي هو أعظم أقسامه كما هنا وهذا متحقق في التمني والترجي لأن التمني أقوى منه لرسوخه في العدم فلذا نصب بلعل انتهى . وظاهر كلامه أن لعل من الباب ح كما اختاره ابن مالك في التسهيل ومنهم من جعلها ملحقة بليت كالزمخشري لتنزيل المرجو لبعده عن الحصول منزلة المتمني ولم يرض المص به لأن تبعيد المخاطبين ومنهم المفلحون عن التقوى بعيدا لأن يقال إن المراد التقوى الحقيقي الذي هو صعب الوصول إليها ولو مفلحين أو لعل هنا وفي مثله دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبرا له ولما لم يرض به قال إلحاقا لها بالأشياء الستة التي هي الأمر والنهي والاستفهام والعرض والتمني والنفي ثم بين وجه إلحاقها بقوله لاشتراكها في أنها غير موجبة بفتح الجيم أو بكسرها أي مضمون ما بعدها لم يقع وتحقيقه في المستقبل غير معلوم فموجبة من الإيجاب بمعنى الإثبات ويقابله السلب فبهذا المعنى يدخل الترجي إذا المعنى فيه على خطر الوجود والعدم فيوجد فيه معنى الشرط والرجحان في الترجي لا يضره بل في هذا التعبير مع الرجحان رمز إلى تقصيرهم وسوء حالهم ولو بالنسبة إلى بعضهم تجعلوا انتصاب فَأَطَّلِعَ في قوله : لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى [ غافر : 36 ، 37 ] في رواية حفص عن عاصم أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه قال الفاضل أكمل الدين هذا هو الوجه الثاني في متعلق فَلا تَجْعَلُوا [ البقرة : 22 ] وهو تصريح بعدم جواز الجزم وانتصابه إنما هو بجعل لعل بمعنى التمني ليصير من المواضع التي ينتصب فيها الفعل المضارع بإضمار أن كما في الآية المستشهد بها على قراءة عاصم وهذا المقدار كان كافيا في بيان المتعلق وأورد عليه بعضهم بأنه تقدم في كلامه أن اللّه أراد منهم الخير والتقوى وذلك ينافي التمني وأجاب بأنه جوز النصب نظرا إلى تقدم لعل صورة كما تقول لمن همك همه ليتك تحدثني فتفرج عني بالنصب فإنه وإن لم يكن تمنيا في هذا المقام لكن نصب نظرا إلى الصورة وقال وأما قوله أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه فإن أراد أنها بمعنى كي فهو الذي نفاه أولا وإن أراد أنه منصوب بتقدير أن كما في المثال صح بعض الصحة لكن التمثيل بغيره أولى على أنه إن جعل تعليلا لا يصح أن يجري مجرى كي فيعلل النصب بذلك لأن الأولى على ذلك أن ينصب تتقوا ثم قال أكمل الدين وأقول النصب نظرا إلى صورة التمني لا يكاد يصح لأن السببية في انتصاب ما بعد الفاء لا بد منها ومجرد الصورة لا يفيدها وأنه أراد أنها بمعنى كي والنفي إنما كان باعتبار مأخذ خاص وهو الأطماع من كريم رحيم وقد تقدم وجعله بمعنى كي إنما هو لتبيين العلة لا لبيان الناصب فإن الناصب أن المضمرة لا محالة وقال بعضهم قوله أي خلقكم لكي تتقوا بيان للسببية وحاصل كلامه أنه فسر التقوى بخوف عقابه لأن الواو في قوله وتخافوا عقابه تفسيرية ليتبين معنى السببية لأن خوف العقاب سبب لعدم الشرك قال أكمل الدين وفيه نظر لأن السببية ههنا لا تحتاج إلى معنى كي فإنا إذا قلنا ليتك تأتيني فلا تهجرني علم أن الاتيان سبب لعدم الهجران من غير احتياج إلى تقدير كي .