اسماعيل بن محمد القونوي
39
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الإبلاغ ) جواب عن الاستدلال المذكور حاصله أن ما ذكر ليس من الممتنع لذاته بل من الممتنع لغيره مع أنه ممكن في نفسه فإن إخباره تعالى بعدم إيمانهم لا يخرج عن الإمكان « 1 » كعلمه وإرادته بعدم الإيمان وقد عرفت أن التكليف به واقع اتفاقا فإن استلزام وقوع الكذب بالنظر إلى ذاته إخباره تعالى فيكون ممتنعا بالغير وذلك الإخبار لا ينفي القدرة التي هي شرط التكليف سواء كان بالعقل كما هو مذهب الحنفية أو بالشرع كما هو عند الأشاعرة فيكون ممكنا في نفسه قولهم الممكن ما لا يلزم من فرض وقوعه محال الجواب عنه الممكن ما لا يلزم من فرض وقوعه نظرا إلى ذاته محال وأما بالنظر إلى غيره فاستلزام فرض وقوعه محالا لا يضر الإمكان كعدم المعلول فإن فرض وقوعه بالنظر إلى ذاته لا يستلزم المحال فهو ممكن وأما بالنظر إلى بقاء علة التامة فهو ممتنع لاستلزام تخلف المعلول عن علته التامة وهو محال وهذا جواب عن الوجه الأوّل لا الوجه الثاني كما ذهب إليه بعض « 2 » المحشيين إذ المستدل صرح بأنه شمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون وذلك قوله : ولذلك قال : سَواءٌ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 6 ] ولم يقل سواء عليك أي ولأجل حيازة الرسول فضل الإبلاغ لم يقل سواء عليك إذ لا تسوية بين الانذار وعدمه بالنسبة إلى الرسول ولو كانا مستويين بالنسبة إليهم لأن في الإنذار من فضل التبليغ ما ليس في ترك الانذار .
--> ( 1 ) أي الإمكان الذاتي وإلا يلزم انقلاب الماهية . ( 2 ) كما ذهب إليه بعض المحشيين حيث قال وأما كونه جوابا عن الوجه الثاني فبأن يقال إنهم لم يكلفوا إلا بتصديقه وأنه ممكن في نفسه متصور وقوعه إلا أنه مما علم اللّه تعالى أنهم لا يصدقون لعلمه بالعاصين وإخباره لرسوله عليه السّلام كإخباره لنوح عليه السّلام بقوله إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن لا أنه أخبرهم بذلك ولا يخرج الممكن عن الإمكان بعلم أو خبر ولا ينفيان القدرة عليه نعم لو كلفوا بالإيمان بعد علمهم بإخباره بأنهم لا يؤمنون لكان من قبيل ما علم المكلف بامتناع وقوعه منه ومثل ذلك غير واقع لأنه يوجب انتفاء فائدة التكليف وهو الابتلاء لاستحالته منهم لما ذكر فلذلك لو علموا لسقط منهم التكليف كذا أفاده المحقق عضد الملة والدين انتهى وما نقل عن العضدية من أنه لو علموا لسقط عنهم التكليف في غاية الضعف فليبين ما معنى سقوط التكليف إن أراد أنهم لا يعاتبون على تركه فباطل بالإجماع وإن أراد أنهم يؤاخذون عليه لكن سقط عنهم لتكليف لعدم قدرتهم فجوابه ما مر من أن التكليف بالإيمان الإجمالي إلى آخر ما ذكرناه في أصل الحاشية وأجيب أيضا بأنه يجوز أن لا يخلق اللّه تعالى العلم بالعلم فلا يجد من نفسه خلاف الإذعان نعم أنه خلاف العادة فيكون من الممكن في نفسه ولا يكون من العبد عادة فلا يكون من الممتنع لذاته ونقل عن المص أنه أجاب في المنهاج بأنا لا نسلم أن مثل أبي لهب مأمور بالجمع بين النقيضين فإن الأمر بالإيمان سابق على الإخبار بعدم الإيمان ولا يلزم منه عدم استحقاقه العقاب بتركه لأن سقوط الخطاب عنه لتمام الحجة عليه لا لقدرة انتهى فعلم من مجموع هذا الجواب أن دعوى سقوط التكليف مما لا يلتفت إليه إذ كل عاقل بالغ مكلف قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لا يقتضي ذلك لثبوت وسع مثل أبي لهب بالإيمان الإجمالي أو بعدم العلم بالعلم أو الأمر بالإيمان سابق على الإخبار بعدم الإيمان كما مر بيانه فلا ينبغي للفحول قول ما هو بعيد في الشرع وفي العقول كأنه لم ينظر إلى تقرير المستدل حيث قال وأمرهم بالإيمان وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون وأيضا إخباره تعالى لرسول عليه السّلام للتبليغ وأنه عليه السّلام مأمور بجميع ما أنزل فيجب عليه عليه السّلام أن يخبرهم بذلك فما معنى لا أنه أخبرهم بذلك فالصواب أن جواب الثاني لم يذكره المص .