اسماعيل بن محمد القونوي
388
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : وَالسَّماءَ بِناءً [ البقرة : 22 ] ( أو الفلك فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ) فإن المراد بها الفلك لا محالة فحينئذ يظهر وجه الإظهار والمعرفة إذا أعيدت معرفة كونها عين الأول يعدل عنه كثيرا ولأنه منشأ قريب بالنسبة إلى نزول الأرض كما ورد في الخبر الشريف عنه عليه السّلام المطر ماء يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في السماء الدنيا في موضع يقال له الأبزم فتجيء السحاب السود فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها اللّه حيث شاء ( ومنه إلى الأرض قوله على ما دلت عليه الظواهر ) إشارة إلى مثل ما ذكرناه وكقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [ الفرقان : 48 ] وتأويلها بلا حاجة بعيد ومن ذهب إلى خلافه أول الظواهر من الآيات والأحاديث بأن المراد تنزل من السحاب لما عرفت أنه سماء بحسب معناه اللغوي أو أنه ينشأ من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية وإلى هذا أشار بقوله ( أو من أسباب سماوية ) . قوله : ( تيثر ) أي الأسباب السماوية نازلة من السماء أي تحرك ( الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد سحابا ماطرا ) أي من داخل الأرض توضيحه أن الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري أثارت من البحار بخارا رطبا ومن البراري بخارا يابسا والبخار أجزاء هوائية يمازجها أجزاء صغار مائية تلطفت بالحرارة ولا تمايز بينها في الحس لغاية الصغر لأن ما يجاور الماء من الهواء يستفيد كيفية البرد من الماء فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة التي تنقطع عنها تأثير شعاع الشمس بتنقي باردة فإذا بلغ البخار في صعوده إليها تكاثف بواسطة البرد فإن لم يكن البرد قويا اجتمع ذلك البخار ويتقاطر الأجزاء المائية فيه للثقل الحاصل من التكاثف والانجماد فالمجتمع هو السحاب والمتقاطر هو المطر قوله أو من أسباب سماوية إشارة إلى أن السماء مجاز عن تلك الأسباب فذكر السماء وأريد الأسباب بعلاقة الحالية والمحلية وإنما صح كون ابتداء نزول الماء من تلك الأسباب مع أن ابتداءه من السحاب لأنه لما كان ابتداؤه من السحاب الناشئ من صعود الأبخرة الناشئ من الأسباب السماوية جعل ابتداؤه من تلك الأسباب فإن الناشئ من الشيء الناشئ من شيء آخر ناش من ذلك الآخر ولو بالوسائط ولا يضره كونه مجازا لأن شأن الوسائط كذلك والقياس المساواة منتج في مثل هذا فيكون من للابتداء المجازي وأنت خبير بأنه لما أمكن الحمل على الحقيقة لا يصار إلى المجاز لا سيما في الموضعين وخصوصا هذا بناء على مذهب الحكماء الذين يضيعون أوقاتهم فيما لا يعنون فلا جرم إن هذا الاحتمال سخيف جدا والمراد من الأرض في أعماق الأرض جهة السفل فيشمل البحار والأنهار كما في قوله تعالى : خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 ] الآية . فلا وجه لما قيل لا وجه لهذا التخصيص بل هذا لو وقع لكان قليلا وإنما الأكثر ارتفاع الأجزاء الرطبة من البحار والأنهار والمراد بالجو ما بين السماء والأرض لا الهواء . قوله : ( ومن الثانية للتبعيض ) بخلاف الأولى وإن جوز فيه على أن التقدير أنزل من