اسماعيل بن محمد القونوي
372
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
جواب سؤال بأنه كما خلق المخاطبين للتقوى فكذا خلق الذين من قبلهم فلم قصره على المخاطبين فدفعه بأنه لا قصر عليهم في المعنى والقصر في اللفظ لا يضر إذ المعنى على إرادتهم جميعا حيث أطاق اللفظ الموضوع للمخاطبين عليهم وعلى الغائبين أي المعدومين وقد عرفت البحث في تعميم الخطاب إلى المعدوم فتذكروا وقيل إنه لا قصر على المخاطبين لأن النظم دل بعبارته على خلق المخاطبين للتقوى وبدلالته دل على خلق الغائبين لسلم عن الإشكال وهذا التوجيه جار في من سيوجد إلى قيام الساعة واعتبار التغليب بالنسبة إليهم أيضا في غاية البعد مع أنه لم يرض بالعموم لمن سيوجد في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا [ البقرة : 21 ] الآية على ما اختاره بعض المحشيين ولو لم يصرح بعض المحشيين بأن المراد بالغائبين هم الذين من قبلهم وعمم إلى الغائبين الماضيين والآتين لكان أظهر . قوله : ( وقيل تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا كما قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ) أي مستعملة بمعنى الغاية والمصلحة على طريق الاستعارة أما في لعل فتكون تبعية أو في مدخولها كما حققوه في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] الآية لا بمعنى الغرض لأن قائله الأنباري وجماعة من النحويين وقال صاحب المغني لعل لها معان أحدها التوقع والثاني التعليل أثبته جماعة منهم الأخفش والكسائي وحملوا عليه قوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] وهم ممن لا يقولون بأن أفعال اللّه تعالى معللة بالأغراض نقل عن المحقق التفتازاني أن الزمخشري رد هذا حيث قال زعم الأنباري وجماعة من أئمة العربية أن لعل قد تكون بمعنى كي حتى حملوا عليه كل صورة امتنع فيها الترجي سواء كان اطماعا نحو لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ البقرة : 189 ] أو لا نحو لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ البقرة : 21 ] لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 25 ] وذهب صاحب الكشاف إلى أن مراد الزمخشري توجيه كلام الأنباري ومتابعيه دون الرد عليهم انتهى . وهذا هو الظاهر من كلام الزمخشري حيث قال لعل جاءت للإطماع في القرآن من كريم رحيم إذا أطمع وقوعه لأن ما قبله سبب لما بعده فيكون بمعنى كي ووقوع ما بعده لما ذكر من الوجهين وقوله أيضا عطف من حيث المعنى على قوله أطماع من كريم كأنه إنما يجب وقوع المطموع إما لأنه أطماع في حكم الوعد الواجب الوفاء أو لأنه مخرج على كلام الملوك وقوله أو يجيء على طريق الأطماع عطف على قوله وقد جاءت على سبيل الأطماع كأنه قيل لعل إما تجيء للأطماع مع التحقيق أو للأطماع دون التحقيق كما في قوله تعالى : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ [ التحريم : 8 ] فإنه لم يقل يكفر عنكم سيئاتكم لئلا يتكل العباد بل قال عَسى رَبُّكُمْ [ الأعراف : 129 ] للأطماع بلا تحقيق قال الطيبي إن الذي يفهم من ظاهر كلام صاحب الكشاف أن لعل مشترك في الترجي والاشفاق وفي الأطماع ملحق بعسى قال ابن الحاجب لعل معناه التوقع وقد يكون لتوقع المرجو والمخوف ولكنه كثير في المرجو حتى صار غالبا عليها وقال الطيبي أما كونها للأطماع فلتضمنها معنى عسى ومن ثم عومل معها معاملتها في قوله لعلك يوما أن تلم ملمة .