اسماعيل بن محمد القونوي

361

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تجريد الكلام عن التقدم بالذات أحسن وأولى إذ لو أريد به ما اختاره منلا خسرو فلا يخلو عن بعد وإن صح ولو أريد به ما يتوقف عليه وجوده « 1 » كما ذهب إليه البعض فهو متقدم عليه بالزمان وإن أريد ما اصطلح عليه الحكماء كما تعرض له بعض مع جرحه وشرحه بلا طائل فلا وجه له أصلا مع أنه يرد عليه الاعتراض بأن كلام المصنف يخالف مذهب الأشاعرة فإنهم لا يثبتون التقدم الذاتي لغير اللّه تعالى وينفون أن يكون شيء علة لشيء ويقولون باستناد الممكنات إلى اللّه تعالى بلا واسطة وقد اعترف به المصنف « 2 » في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الآية واعتراض آخر من أن جعل القبلية شاملة للتقدم الذاتي والزماني جيد لو ساعده اللغة وإن أمكن الجواب بأن قبل ظرف زمان حقيقة واستعماله في الذاتي مجاز بجامع التقدم غايته أنه يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند المصنف والكل تكلف يجب صون النظم الجليل عن مثله ولقد أصاب صاحب الإرشاد حيث لم يتعرض للتقدم الذاتي بل اكتفى بالزماني حيث قال ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف أي كانوا من زمان قبل زمانكم وقيل خلقكم من قبل خلقكم وأقيم الضمير مقامه الخ والمراد بهم من تقدمهم من الأمم السالفة انتهى . وكذا لم يتعرض له بعض المتأخرين . قوله : ( أو بالزمان ) كتقدم السماوات والأرض والعناصر وما يتولد منها فالأولى ما سلف من الأمم السالفة لأن الذين من صيغ العقلاء والتعميم إلى غير العقلاء يحتاج إلى التمحل وأما التخصيص بغيرهم فلا يعرف له « 3 » وجه وفيه تذكير لعظم إنعامه بأن أنعم عليهم قبل خلقهم بمدة طويلة بخلق ما له مدخل في الجملة في وجودهم فإن خلق الأصول انعام على الفروع وتقديم خلق المخاطبين لأنهم المواجهون بالعبادة فلا جرم أنه يقتضي التقديم أو خلقهم إنعام لهم بالذات وخلق آبائهم وموادهم انعام لهم بالواسطة . قوله : ( منصوب معطوف على الضمير المنصوب في خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] ) احتراز عن توهم عطفه على الضمير المجرور من غير إعادة الجار في فصيح الكلام ولما فيه من الفصل بنعت المضاف إليه لكن لا اختلال في المعنى إن اعتبر ذلك العطف وقد قرأ حمزة بجر الأرحام في قوله تعالى : تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] عطفا على الضمير المجرور وإن قال المصنف وهو ضعيف وقد وقع هذا العطف في فصيح الكلام لأن قراءة حمزة من المتواترات . قوله : معطوف على الضمير المنصوب في خَلَقَكُمْ فالمعنى خلقكم وخلق الذين من قبلكم .

--> ( 1 ) مع أن صحة على عدل من تحدث الأرواح مع البدن دون قول من تحدث قبله بألفي عام كما ورد في الحديث الشريف . ( 2 ) أي والأكثر فيها الظرفية الزمانية وقد يكون للمكانية كبعد وهي في غير هذا مجاز مثل استعماله في التقدم في الشرف وفي الرتبة وكذا بعد ولفظ مع . ( 3 ) فيه إشارة إلى ما في الحاشية الخسروية من الاختلال .