اسماعيل بن محمد القونوي

358

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وجه له وأما كونها للتعليل فبناء على أن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية ولهذا لم يعد أئمة البلاغة كون الوصف للتعليل من فوائد الوصف وقد عرفت أن الربوبية شاملة للخالقية وافراد الخلق وذكره بعده للتأكيد وللإشعار بأنه أصل الأصول لكونه أول نعمة موجبة يجب الشكر عليه أولا والظاهر أنه عام من الربوبية كما عرفت حيث لم يعتبر في مفهومه تبليغ الشيء إلى كماله كما في الرب فذكره بعده مع أن المشهور عكسه للتنبيه على تقدمه على التربية في الوجود كما أفاد مثل ذلك في قوله تعالى : وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا [ مريم : 51 ] من سورة مريم . قوله : ( ويحتمل ) احتمالا مرجوحا ( التقييد والتوضيح ) والاحتراز عن الآلهة التي يسمونها أربابا زيف هذا الاحتمال إذ الاحتمال الأول راجح إذ كون الخطاب عاما للمؤمنين والكافرين هو الصواب عنده وهو في نفس الأمر كذلك حيث بين عمومه وشيد أركانه حتى ذهب إلى أن ما روي عن علقمة لاءم صحة رفعه إلى النبي عليه السّلام ولو سلم صحته لا يوجب التخصيص وهذا الاحتمال بناء على التخصيص كما قال ( إن اختص الخطاب بالمشركين ) بناء على ظاهر ما روي عن علقمة وما بني على المرجوح مرجوح فلا وجه لما قيل إن الأوضح هذا الاحتمال والتقييد معناه التخصيص أي تقليل الاشتراك الناشئ من إطلاق الرب على الآلهة التي يسمونها الخ . أيضا بخلاف الخالقية فإنها مخصوصة عندهم به تعالى : قال وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] الآية . والصفة التي تقلل الاشتراك تسمى مخصصة ولو في المعرفة والتي ترفع الاحتمال تسمى موضحة ولو في النكرة في اصطلاح المعاني وتخصيص التخصيص قوله : ولا يمتنع هذا الوجه أي أن تكون الصفة جارية على المدح في خطاب الكفرة لأنهم يقولون الرب الحقيقي هو اللّه تعالى وآلهتنا شفعاؤنا عنده فإذا سمعوه من جانب الرب تعالى لم يشتبه عليهم أنه هو الرب الحقيقي إلا أن الوجه الأول وهو جعل الصفة مادحة والخطاب عام أوضح وأصح من جعلها مادحة والخطاب خاص لأنه اظهر والنظم له ادعى لما سبق من قوله لما عدد اللّه تعالى فرق المكلفين إلى قوله اقبل عليهم بالخطاب ولما سيأتي من أن وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 25 ] عطف على وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ [ البقرة : 23 ] وكلاهما تفصيل لقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] قال الرازي في بيان معنى قوله إلا أن الأول أوضح وأصح أما أنه أوضح فلأن حال الكفرة يوجب أن يكون ربكم أعم وأما أنه أصح فلأن الأغلب في الصفة معنى التخصيص والتوضيح وحمل الكلام على الأغلب أصح وقد اقتفى بعض المحشيين في حل هذا التركيب أثر الرازي أقول أخذ الرازي من لفظ الأول في قوله إلا أن الأول أوضح وأصح ما ذكره أولا من أن الخطاب للمشركين ومعنى الرب عام والصفة مخصصة ونحن أخذنا منه أنه الوجه الأول من وجهي كون الصفة مادحة فإن مراده من قوله هذا الوجه في قوله ولا يمتنع هذا الوجه هو وجه كونه الصفة مادحة والخطاب خاص بالمشركين وقد ذكر قبل هذا الوجه وجه كونها مادحة والخطاب عام فينبغي أن يكون المراد من قوله هذا الوجه ثاني ذلك الوجه وذلك الوجه هو الأول لا ما ذكره الرازي ويشهد به الاستثناء من لا يمتنع هذا الوجه فليتدبر .