اسماعيل بن محمد القونوي
356
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المؤمنين كما أوضحناه آنفا فإن قيل المؤمن غير متلبس بجميع العبادات فيصح منه طلب العبادات في الجملة قلنا إن المص أشار إلى أن العبادة المأمور بها العبادة التي أمر المكلف بها بخصوصها كالصلاة والصوم والزكاة فإنها وجبت بأمر مستقل على التعيين مثل قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] الآية وقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] الآية فأمر اللّه تعالى في هذه الآية على الإجمال بأداء العبادات المعينة المفروضة قبل نزول هذه الآية تقريرا وتأكيدا لها فالمطلوب من المؤمنين أداء ما وجب عليهم وهم متلبسون به فيكون ذلك الأداء زيادة على ما تعبدوا به قبله وإن كان عبادة على حالها كما عرفت وأما ما لم يتلبس المؤمن به بعد فلا يشمل هذا النظم الجليل فإن العبادة بخصوصها ليست بواجبة بهذا النظم الشريف لعدم التصريح به ولو قيل إنها واجبة به لكان تكليفا بالمحال فالعبادة إنما تجب بأمر متعلق بها بخصوصها فالتي لم تجب بعد لا يتناوله هذا النظم الكريم فلا يصح طلبه منهم بهذا النظم الجليل وبهذا البيان اتضح أن هذه الآية لا تدل على فرع وحكم مخصوص يعينه ولا على وجوبه فضلا عن وجوب الإيمان تبعا له وبهذا التحقيق لم يتعرض أرباب الحواشي برمتهم لما عرفت وإنما أخر المؤمنين وقدم الكافرين لأن الأهم بدء العبادة والكفار غافلون عنها والمؤمنون عارفون بها وهم بالأمر والتأديب أحق من المؤمنين . قوله : ( وإنما قال ربكم تنبيها على أن الموجب للعبادة ) الموجب لها إيجاب اللّه تعالى حقيقة والنعم المتوافرة ( هي الريبة ) وهي المراد بالتربية من الأسباب الظاهرة لوجوبها فالمعنى أن الموجب بحسب الظاهر للعبادة هي الربوبية وجه التنبيه هو أن ترتب الحكم على المشتق يشعر عليه مأخذ الاشتقاق إذا الربوبية بضم الراء مصدر كالخصوصية وفي بعض المواضع رتبت العبادة على الخلق قال تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ [ الأنعام : 102 ] الآية وهو متقارب للربوبية فإنه عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا وهو الخلق غايته أن الخلق أعم مفهوما وفي بعض المواضع اعْبُدُوا اللَّهَ [ المائدة : 72 ] تنبيها على استحقاقه تعالى له بحسب ذاته كاستحقاقه بحسب أوصافه كما أشير إلى ذلك جميعا في قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] وكذا في قوله تعالى : اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 72 ] الآية فقوله هي الربوبية بضمير الفصل المفيد للقصر أو المؤكد للقصر المستفاد من اللام إما محمول على الظاهر إذ الحصر بالنسبة إلى السبب الظاهري أي الموجب للعبادة بحسب الظاهر مقصور على صفة الربوبية الشاملة للخالقية إذ المسند إليه إذا كان معرفا بلام الجنس يفيد قصره على المسند قوله : وإنما قال ربكم تنبيها على أن الموجب للإنعام هي الربوبية فإن التربية عين الإنعام وهي أثر الربوبية ومعنى التنبيه مستفاد من ترتيب الحكم على الوصف المناسب فإن العبادة شكر الإنعام والإنعام أثر الربوبية ومقتضاه فكأنه قيل اشكروا منعمكم الذي منحكم نعمة الوجود بعد أن لم تكونوا شيئا .