اسماعيل بن محمد القونوي
352
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يقوم قول التابعي حجة علينا ولو سلم رفعه إلى النبي عليه السّلام غايته أنهما لم يسندا إليه عليه السّلام إما لحسن الظن بهما أو لأن ذلك المروي مما يعلم بالوحي ولا يتعلق بالرأي فلظهور الرفع إليه عليه السّلام لم يتعرضا له ( فلا يوجب تخصيصه بالكفار ) بل يعمهم والمؤمنين فإن أهل مكة ليسوا كلهم كافرين حينئذ فلا ينافي هذه الرواية قولنا فالناس يعم الخ أو الاستثناء ( ولا أمرهم ) عطف على تخصيصه أي ولا يوجب أيضا أمر الكفار ( بالعبادة ) حال كفرهم إذ عنوان الكفار يدل على ذلك حتى يقال إنه باطل بالاتفاق لأنه لا قضاء عليهم بعد الإيمان وإنما يؤاخذون بترك اعتقاد فرضيته ووجوبه وإنما الخلاف في أنهم هل يعذبون بترك الفروع كما يعذبون بترك الأصول أم لا فذهب مشايخنا العراقيون « 1 » والأئمة الشافعية إلى أن أداء العبادات واجب عليهم بشرط تقديم الإيمان ويعاقبون بتركها وعند أكثر مشايخنا لا يجب عليهم أداء الفروع والتفصيل في علم الأصول وفي قوله فلا يوجب تخصيصه الخ . رد على الكشاف حيث قال مفرعا على ما نقله عن علقمة والحسن فقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] اعبدوا خطاب لمشركي مكة انتهى . فاستدل بهذا المروي على اختصاص هذه الآية بالكفار فدفعه المصنف بما ذكره قيل والمراد بالرفع في قوله إن صح رفعه اتصال سنده بمن ذكره لأن الناقل لا يلزمه غير تصحيح نقله فالرفع بمعناه اللغوي أو تجوز انتهى . والمعنى الاصطلاحي هو المراد هنا لما بينا من أن ذلك المروي مما يعلم بالوحي الخ نقل عن القرطبي ما حاصله أن المكي ما وقع خطابه لأهل مكة وإن قوله : إن صح رفعه أي رفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يوجب تخصيصه أي تخصيص الناس بالكفار لأن كونه مكيا لا يوجب كون الخطاب موجها إلى من في مكة من الناس دون غيرهم وإن سلم فلا يوجب التخصيص أيضا لأن منهم من هو مؤمن خالص ولا يوجب أيضا أمر الكفار بالعبادة لأن المأمور به أي الذي أمر به ليس إحداث العبادة فقط بل هو أمر عام لزيادتها وإدامتها فإن اعبدوا على ما مر أمر للكفار بإحداث العبادة ابتداء وللمؤمن أمر بالمحافظة والدوام عليها أو ازديادها وللمنافق بالاخلاص في الإيمان فمعنى خطاب الكفار باعبدوا آمنوا واعبدوا فإن الأمر بالشيء يتضمن الأمر بما يتوقف هو عليه أيضا كما إذا أمر المحدث بالصلاة كان في ضمنه أمر بالتوضي أيضا ولعل كلامه هذا جواب عما يرد على ظاهر الآية من أنه يلزم منه أن يكون الكفار مكلفين بالفروع وهو خلاف المذهب الأصح وهذه مسألة أصولية وهي أن وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورا قيل فيه خلاف فمن قال المعارف ضرورية قال الأمر بالعبادة للكافر جائز ومن قال إنها غير ضرورية قال الأمر للكافر بالعبادة أمر بما هو متمماتها فيستلزم الأمر بالمعرفة فاسترجح المص رحمه اللّه القول الثاني وأشار إليه بقوله فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به .
--> - علقمة عن عبد اللّه قال ما كان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 104 ] أنزل بالمدينة وما كان يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] أنزل بمكة أخرجه أبو عبيد في الفضائل عن علقمة مرسلا كذا في الاتقان . ( 1 ) ومن هذا البيان يعلم ما في بيان مولانا خسرو من القصور .