اسماعيل بن محمد القونوي

329

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران ) أي في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ دليل على أن الحادث حال حدوثه مقدور وفائدة ذكره مع ظهوره التنبيه على أن الحادث مقدور حال حدوثه لا كما زعم المعتزلة من أن الاستطاعة قبل الفعل كذا قيل وليس بشيء أما أولا فلأنه بالنسبة إلى العباد وأما ثانيا فلأن النزاع في تلك المسألة لفظي كما صرح به النحرير في شرح العقائد بل فائدة ذلك التنبيه على أن الممكن حال بقائه مقدور كما أن الحادث حال حدوثه مقدور إذ كون الممكن مقدورا حال بقائه مما يناقش فيه دون الحادث حال حدوثه « 1 » فأراد به الرد على من أنكر كون الممكن حال بقائه مقدورا قائلا بأن إيجاد الموجود محال فيلزم تحصيل الحاصل ووجه الرد أن المحال إيجاد الموجود بوجود سابق وهو غير مراد بل إيجاد وجود هو أثر ذلك الإيجاد ذهب الشيخ الأشعري ومتبعوه إلى أن السبب المحوج إلى المؤثر هو الحدوث فلزمهم استغناء العالم حال بقائه عن الصانع وهو مستقبح فدفعوا ذلك بأن شرط بقاء الجوهر هو العرض ولما كان العرض عندهم غير باق بل هو على التقضي « 2 » والتجدد دائما كان العرض دائما محتاجا إلى المؤثر ولما كان شرط الجوهر محتاجا إلى المؤثر دائما كان الجوهر أيضا حال بقائه محتاجا إلى المؤثر بواسطة شرط احتياجه إليه فلا استغناء عن المؤثر أصلا هذا ما في شرح المواقف ملخصا والظاهر أن المصنف اختار هنا مسلك قوله : وفيه دليل على أن الحادث الخ وجه كونه دليلا على هذا المعنى أن الشيء عندنا هو الموجود فمعنى الآية على كل موجود قدير والموجود الذي تعلق به قدرة اللّه تعالى هو الموجود الممكن والحادث ولو لم يحتج الموجود حال وجوده إلى القدرة أي إلى تأثير قدرة اللّه فيه في البقاء لكان مستغنيا حال البقاء عن المؤثر القادر وليس كذلك لأن الآية دلت على عدم استغنائه عن المؤثر القادر لأن معنى كل شيء قدير مؤثر في امتداد وجود كل موجود آنا بعد آن وساعة بعد ساعة في جميع زمان وجوده وهذا معنى قولهم الممكن محتاج إلى المؤثر حال البقاء .

--> ( 1 ) ويؤيد ذلك قوله في تفسير قوله تعالى : رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها فهي مفتقرة إلى المبقي حال بقائها انتهى وجه التأبيد هو أن المصنف جعل كون الحادث حال حدوثه مقدورا مشبها به لكونه معروفا متفقا عليه وجعل كون الممكن حال بقائه مقدورا مشبها فعلم أن القيد المذكور وهو حال حدوثه هنا للتنبيه على ذلك . ( 2 ) وأنكره بعضهم على الأشعري وقالوا إن ادعاء مثله في الاعراض القادرة مكابرة في المحسوس اللهم إلا أن يقال إن المراد أنه ليس له بحسب ذاته بقاء واستمرار وبقاؤها بالعرض استناد لما تقوم به كالجذع المائل إذا استند إلى جدار متى فارقه سقط انتهى ما نقله البعض عنهم ولا يخفى ضعفه أما أولا فلأنه إن كان مرادهم بالاعراض القارة القرار بحسب شخصه وذاته فهو أول المسألة وغير مسلم والحس يتعلق بالبقاء مطلقا لا البقاء بحسب الشخص وإن أرادوا القرار بحسب النوع وتجدد الأمثال فلا يضرنا بل الاعتراف بما ذكرناه ومن تأمل في عظم قدرته تعالى وكمالها لا يخطر بباله استبعاد مثل هذا فضلا عن الاستبعاد ألا يرى أن بعضهم ذهب إلى أنه تعالى أعدم أعضاء وخلق بديلها حية وكذا أمثاله عند من ذهب إلى أن الأجسام مركبة من جواهر فردة مختلفة الحقائق .