اسماعيل بن محمد القونوي

325

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والمراد مبدؤها انتهى لكن قوله ( وقيل صفة تقتضي التمكن ) يأبى عنه والمتبادر المعنى الإضافي فحينئذ تكون القدرة أمرا اعتباريا لا صفة حقيقية وهذا خلاف ما صرح به أهل السنة من أن القدرة صفة حقيقية قديمة وتعلقاتها حادثة عند بعض الأشاعرة وقديمة عند بعض آخرين قال قدس سره في شرح المواقف اتفقت الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم على أن القدرة صفة وجودية يتأتى معها الفعل بدلا عن الترك والترك بدلا عن الفعل انتهى « 1 » . فالأولى أن المراد من التمكن المبدأ كما قررناه أولا والتقابل باعتبار أخذ الاقتضاء في القول الثاني وتركه في الأول فإن معناه كونه بحيث يصح منه أن يوجد ويلزمه صحة أن لا يوجد وفي التعريف الثاني أخذ الاقتضاء وهو خلاف المذهب وتأويله أنها صفة تقتضي بواسطة الدواعي والأسباب وإن نظر إلى ذاته لا اقتضاء فيه وبهذا الاعتبار يحسن التقابل بينهما والمراد بها صفة وجودية فيوافق مذهب أهل السنة وهذا وإن كان خلاف المتبادر لكن التوفيق للمذهب يقتضيه وهذا أولى مما قيل الأول معناه لغة والثاني اصطلاحي لأن قوله وقيل لا يلائمه وأيضا أولى مما قيل التفسير الأول يقرب من مذهب المعتزلة والثاني مذهب الأشاعرة ومن العجائب ما قيل وإنما اختار كون القدرة نفس التمكن إذ لا دليل ثبوت أمر سواه ثم نقل ما في شرح المقاصد تأييدا لما قاله من أوضح المفاسد فإن ويخبر عنه فيتناول المحال بلا خلاف وأما الخلاف ففي معنى آخر وهو المتقرر في الخارج ومعناه أن الشيء إذا كان الثابت في الأعيان المتميز فيها هل ينطلق على الممكن منه وأما صاحب الكشاف فإنه عرف الشيء بما يصح أن يعلم ويخبر عنه وذلك يتناول المستحيل أيضا فينبغي أن لا ينازع في ذلك لصدقه عليه ولا محذور فيه من جهة الشرع ولا من جهة العقل وقوله وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه هو جواب قوله وفعل قادر آخر وبيان الاختلاف أن الأشاعرة ذهبت إلى أن الفعل الصادر عن العبد باختياره ليس له فيه تأثير أصلا وإنما هو كحركة المرتعش وهو الجبر الصرف والمعتزلة إلى أن العبد خالقه وليس إلى اللّه منه غير التمكين والاقدار وذهب علماؤنا وهو المختار إلى أن لعقل العبد الاختياري جهتين الاختراع والاكتساب والأول للّه تعالى والثاني من العبد ومبنيّ المسألة أن المقدور الواحد لا يمكن أن يدخل تحت قدرة القادرين فقالت الأشاعرة لا قدرة للعبد على الاختراع لأن القدرة عليه تقتضي العلم بكيفيته قبل وقوعه وليس للعبد ذلك فيثبت عليه قدرة البارىء تعالى ضرورة وقالت المعتزلة قدرة العبد على أفعاله ثابتة ضرورة الأمر بها والنهي عنها فإن ذلك للعاجز محال فانتفت عنها قدرة البارىء تعالى ضرورة ولنا أن القول بخلق العباد أفعالهم شرك وهو منتف ودخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين أحدهما قدرة الاختراع والأخرى قدرة الاكتساب جائز وتمام ذلك في علم الكلام .

--> ( 1 ) تمامه وقال بشر بن المعتمر القدرة الحادثة عبارة عن سلامة البنية عن الآفات فجعلها صفة عدمية قال فمن أثبت صفة زائدة على سلامة البنية فعليه البرهان واختاره الإمام في المحصل مذهبه حيث قال المرجع بالقدرة في حقنا إن كان إلى سلامة الأعضاء فهو معقول وإن كان إلى أمر آخر ففيه النزاع انتهى وهذا محمل ما قاله الإمام الرازي في تفسيره من كون القدرة يعني من كون التمكن بحيث يصح منه الإيجاد أمرا اعتباريا وإلا فالقدرة القديمة صفة وجودية باتفاق الأشاعرة كما نقلناه عن شرح المواقف .