اسماعيل بن محمد القونوي
318
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لانتفاء الأول في مقام غير الاستدلال وقد أشار إليه وظاهرها الدلالة إلى أن لها معنى آخر خلاف الظاهر وهو ما ذكرناه أي سبب انتفاء ذهاب أسماعهم وأبصارهم في الخارج عدم تعلق مشيئته به مع تظاهر الأسباب من شدة الصوت ووميض البرق بلا التفات إلى أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي وهذا مختار الجمهور والمص صرح بهذا المعنى في مواضع من تفسيره قال في تفسير قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [ الأنعام : 35 ] الآية أي ولو شاء اللّه جمعهم على الهدى لوفقهم على الإيمان حتى يؤمنوا ولكن لم يتعلق به مشيئته فلا تتهلك عليه « 1 » انتهى « 2 » . فبين أن انتفاء إيمان جميعهم لانتفاه تعلق مشيئته تعالى به وهذا المعنى غير ما اختاره هنا صريحا وعين ما لوح إليه ضمنا فلا ينبغي أن يقال إن المص تبع فيه ابن الحاجب فإنه استعمل كلا المعنيين في كتابه كما عرفته والمناقشة في العبارة على تقدير كون المراد أن ظاهر الآية هنا الدلالة يفيد هنا بأنه إن حق العبارة الدلالة على انتفاء الأول بانتفاء الثاني لأنه يقال دل عليه بكذا دون لكذا مدفوعة بأن اللام في لانتفاء الثاني تعليلية أو لأنه صلة الانتفاء يرشدك إليه قوله ضرورة انتفاء الملزوم وما فهم من كلامهم أن الشيخ ابن الحاجب لا ينكر ما اختاره الجمهور لأنه متعين في مثل لو جئتني لأكرمتك في قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] الآية فالشيخ ابن الحاجب في مثل هذا حمل لو على ما اختاره الجمهور وإلا لضاق عليه الحال وتشتت فيه البال والجمهور لا بدّ وأن يعترفوا بما اختاره ابن الحاجب لأن استعمالها على قصد لزوم الثاني للأول مع انتفاء اللازم ليستدل به على انتفاء الملزوم كقوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] الآية شائع ولا مجال لإنكار هذا الاستعمال كما لا مجال لإنكار الاستعمال الأول غاية الأمر أن النزاع في كثرة الاستعمال وقلته « 3 » فابن الحاجب ادعى أن الاستعمال الأكثر ما ذهب إليه والجمهور اختاروا عكسه وادعوا أنه أكثر استعمالا وما نقل عن ابن الحاجب أنه خطأ ما ذهب إليه الجمهور فمحمول على ادعائهم أنه أكثر استعمالا والقول بأنه مخطىء في تخطئته إذ الحق أن ما اختاره الجمهور هو الأكثر والمشهور بحث آخر « 4 » وهذا التوجيه وإن كان خلاف الظاهر لكن الأحسن أن ينبغي
--> ( 1 ) وقال أيضا في تفسير قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [ هود : 118 ] الآية من أواخر سورة هود دليل على أنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد فأشار إلى أن لو لانتفاء الثاني لانتفاء الأول وهو ما اختاره الجمهور . ( 2 ) وفي مثل قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما ألا يتعين ما اختاره ابن الحاجب واضطر الجمهور على حمل لو فيها على ما اختارة ابن الحاجب وفي مثل لو جئتني لأكرمتك يتعين مسلك الجمهور والشيخ لا بد له أن يحمل عليه وفي مثل قوله تعالى : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] محتمل الأمرين . ( 3 ) ويؤيده ما قيل ورد مسلك الجمهور ابن الحاجب بأن الأول سبب والثاني مسبب والمسبب قد يكون أعم من السبب فالأول أن يقال لانتفاء الأول لانتفاء الثاني أشهر وأشار أي بقوله فالأولى إلى ما ذكرناه . ( 4 ) بحث آخر على أن للشيخ ابن الحاجب أن يقول إن أكثر المواضع يصح فيه أن يحمل لو على الاستدلال على انتفاء الأول بانتفاء الثاني يمكن أن يستدل بانتفاء الهداية على عدم تعلق المشيئة بها في قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النحل : 9 ] وعلى ذلك فقس نظائره وإن سلم عدم استقامته في نحو لو -