اسماعيل بن محمد القونوي

314

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وإنما قال مع الإضاءة كلما ومع الإظلام إذا لأنهم حراص على المشي فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف ) وهذا بناء على ما اشتهر من أن كلما للعموم وإذا للإهمال وقد يستعمل إذا في العموم أيضا لكن المصنف بنى كلامه على ما هو المختار عندهم وقول أبي حيان لا فرق عندي بين كلما وإذا من جهة المعنى إذ التكرار متى فهم من كُلَّما أَضاءَ [ البقرة : 20 ] لزم منه التكرار أيضا في إذا أظلم عليهم قاموا إذ الأمر دائر بين إضاءة البرق والإظلام ومتى وجد ذا فقد ذا فلزم من تكرار وجود ذا تكرار عدم ذا مدفوع إذ المراد بيان نكتة إيراد إذا المفيد للجزئية بعد إيراد كلما والاشعار بأنهم منها لكون على المشي دون الوقوف لأجل أن المشي سبب نجاتهم والوقوف يؤدي إلى هلاكهم فالعاقل حريص لما ينفعه ومعرض عما يضره ولإفادة ذلك اختير كُلَّما في أَضاءَ لَهُمْ وإذا في أَظْلَمَ ولا ينافيه لزوم تكرار القيام والوقوف أيضا بقرينة خارجية على أنه لا نسلم أنه متى وجد الأظلام وجد الوقوف كما إنه وجد الإضاءة وجد المشي لجواز مشيهم حين الإظلام طمعا لحصول الإضاءة عقيبه سريعا كما هو المشاهد في بعض الأحيان والفرصة واحد الفرص كغرفة وغرف وأصل معناها النوبة في شرب الماء القليل يقال جاءت فرصة فلان أي نوبته ونقل إلى الهمزة بالزاي المعجمة ومعنى انتهزوها انتهض إليها وقام مبادرة وحراص جمع حريص والتوقف معنى قوله قاموا لكن الأولى الوقف كما قال ( ومعنى قاموا وقفوا ) وقف من الوقف لا من الوقوف كقام في مقابلة قعد أو جلس عند من يفرق بينهما فحينئذ يكون قام مجازا عن الرواج وقد يكون قام في مقابلة مشى فحينئذ يكون مجازا عن الكساد وعدم الرواج وهو المراد هنا ( ومنه قامت السوق إذا ركدت ) وكسدت وقد تقدم في تفسير قوله تعالى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [ البقرة : 3 ] من قامت السوق إذا إمكان المشي وقال الفاضل أكمل الدين وجوابه بقوله حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه أي تستهله فيه نظر لأن كل ما يقتضي التكرار في الأفعال والمشي كان متكررا والتوقف والتحبس كذلك وكانا سواء في كونهما مدخولي كلما ولا مدخل لحرصهم على وجود ما همهم به معقود أقول يمكن أن يجاب عن هذا النظر بأن يقال إن مدخولي كلما وههنا أضاء وأظلم لا المشي والتوقف فكلمة كلما أفادت إحاطة تكرار الإضاءة والإضاءة أمر مطلوب في نفسه سيما إذا أثمر مطلوبا آخر كالمشي في ذلك الوقت والمرء حريص بتكرر وجود مطلوبه وتكثره فذكر معها كلما بناء على حرصهم بذلك بخلاف الاظلام فإن الاظلام أمر مهروب عنه منافر للطبع خصوصا عند الحذر من الموت بالصواعق التي ذلك الظلام منشؤها ومبتدؤها لا سيما إذا أدى إلى أمر آخر مما يهرب عنه الطباع كالتحبس والتوقف عن المشي الذي هو مطلوبهم فهو غير مطلوب تكرره بل المطلوب عدم حصوله عن أصله فضل عن تكرره بعد الحصول فحقه أن لا يستعمل معه ما يدل على التكرار بناء على أن ذلك غير رائج عندهم وجوده فكيف عن تكرر وجوده فكأنه رحمه اللّه أخذا من كلام الكشاف أن المقتضي لدخول كلما فعل قابل للتكرر ولعدم دخوله ما هو غير قابل له وغفل رحمه اللّه عن حديث الحرص وأنه هو المقتضى له . قوله : إذا ركدت أي سكنت وكسدت يقال ركد الماء ركودا إذا سكن وكذا ركد الريح والسفينة .