اسماعيل بن محمد القونوي

304

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

السابق على الحياة كما في قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] مجاز ولا يلزم كون عدم الحياة عن الجنين عند استعداده للحياة موتا لعدم اتصافه بالحياة بالفعل والحياة حقيقة في القوة الحساسة أو ما يقتضيها كذا قاله المص في تفسير قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [ البقرة : 28 ] الآية وقيل هي قوة هي مبدأ الحس والحركة وقيل قوة تتبع اعتدال النوع أي تتبع اعتدال المزاج المسمى باعتدال النوع فح يكون بين الحياة والموت تقابل العدم والملكة . قوله : ( وقيل عرض يضادها لقوله : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] ) أي موجود في الخارج يضاد الحياة واستدل بقوله تعالى : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] فإن الخلق إيجاد بمعنى إعطاء الوجود فيكون الموت موجودا كالحياة ( ورد بأن الخلق بمعنى التقدير ) لا نسلم بمعنى الإيجاد فإنه معنى شرعي لا يجب اعتباره في كل موضع بل بمعنى التقدير وهو معنى لغوي له وقد يعتبر عند قيام القرينة على عدم المعنى الشرعي كقوله تعالى : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [ آل عمران : 49 ] الآية وهنا كذلك فيكون بمعنى التقدير ( والأعدام ) أي الأعدام الحادثة ( مقدرة ) أي مقضية وأما الأعدام الأزلية فلا يتعلق بها الإرادة ولا التقدير اللهم إلا أن يتكلف « 1 » قال المصنف في أوائل سورة الأنعام ومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس عدم الصرف حتى لا يتعلق به الجعل وهنا يوهم كلامه خلافه فليتأمل وقد قيل والاعدام مخلوقة لما لها من شائبة التحقق يعني أن استعداد الموضوع معتبر في مفهومها وهو أمر وجودي فيجوز أن يعتبر تعلق الخلق والإيجاد باعتبار ذلك وما ورد في الحديث من أن الحياة فرس والموت كبش أملح حتى ذهب بعض الظاهرية إلى أنهما جسمان فهو من قبيل التمثيل وقد صرح به شراح الحديث في قوله عليه السّلام يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح ليذبح وفي قوله عليه السّلام على صورة كبش إشارة إليه فلا ينبغي أن يغفل عن إشاراته العلية وتلويحاته السنية . قوله : ( لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط ) وفيه إشارة إلى أن الكلام استعارة تمثيلية فتوجه « 2 » وكن على بصيرة واللام إن حمل على الجنس كما هو الظاهر فلا يكون من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر وإن حمل على العهد فيكون من هذا القبيل للتنصيص على كفرهم ( لا يخلصهم الخداع والحيل ) .

--> ( 1 ) ويقال فسر التقدير بتعيين المقدار بوجه ما . ( 2 ) شبه الهيئة المنتزعة من قدرته تعالى على أخذهم وعدم خلاصهم منه بوجه من الوجوه وعدم نفعهم أنواع الحيل والخداع بالهيئة المنتزعة من المحيط وإحاطة التامة بالمحاط وعدم فوتهم بالمحيط فاستعمل اللفظ المركب الموضوع للثاني في الأول ويمكن الاستعارة التبعية بتشبيه حال قدرته تعالى الكاملة التي لا يفوتها المقدور البتة بإحاطة المحيط محاطة بحيث لا يفوته فيكون الاستعارة في محيط فقط والأول أبلغ وأما إمكان الاستعارة التمثيلية في صورة كون الاستعارة تبعية فهو مما ينازع فيه قدس سره النحرير التفتازاني وقد مر الكلام فيه مستوفى في حل قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] الآية فلا فائدة في إعادته هنا .