اسماعيل بن محمد القونوي
269
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
صُمٌّ بُكْمٌ من قبيل التشبيه البليغ وليس باستعارة كما حقق النحرير في المطول نقلا عن جميع المحققين لكن له بحث سنذكره إن شاء اللّه تعالى وسيصرح به المص وأنهم ليست حواسهم مؤوفة حقيقة لكنها لما لم تستعمل فيما خلقت له شبهت بالمؤونة الخ . وأيفت مجهول آف بوزن قال وفي القاموس الآفة العاهة أو عرض مفسد لما أصابه وأيضا الزرع فهو مؤوف ومئيف على خلاف القياس لأن فعله لازم مشاعرهم المشاعر جمع مشعر بفتح الميم موضع الشعور وبكسرها آلة الشعور والمراد الحواس الظاهرة وفيه تغليب إذ اللسان ليس من المشاعر ( وانتفت ) أي كما انتفت ( قواهم ) جمع القوة الحاسة الخمس الظاهرة لكن المراد هنا القوة السامعة والباصرة والقوة الناطقة عدت منها تغليبا كما مر وذكر القوة مطلقا مبالغة في عدم عودهم إلى الهدى وما ذكرناه مقتضى قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ حيث نفى عنهم القوى الثلاثة فقط فما قيل من أنه وفي إطلاق المشاعر والقوى تنبيه على أن ما ذكر من الصمم والبكم والعمى على سبيل الاختصار في البيان والاعتماد على تنبيه السامع والمراد أنه كناية عن اختلال جميع المشاعر والقوى فضعيف إذ القوة الذائقة واللامسة والشامة لم يتعرض لاختلالها « 1 » في موضع والتزام عموم اختلال القوتين إلى ما عداهما غير مستحسن ألا يرى أن المص لم يجعل الختم في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ [ البقرة : 7 ] الآية . عاما إلى سائر القوى . قوله : ( كقوله : صُمٌّ [ البقرة : 18 ] إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ) هو من بيت الحماسة لقعنب أحد بني عبد اللّه بن غطفان وقبله : إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * مني وما سمعوا من صالح دفنوا صُمٌّ [ البقرة : 18 ] الخ . قوله : مني متعلق بيسمعوا أو لا ينبغي أن يكون صفة لفرحا على معنى فرحا لهم كائنا من قبلي فإن مقتضى المقام أن سماع الريبة بأن يكون من قبله وإلا يعم كل ريبة فلا مساغ له إلا بدعوى القرينة فيؤول إلى التعلق بسمعوا والمعنى هم أي الأعداء صم أي كصم في عدم الإصغاء إلى ما نسب إليه من المكارم والمآثر وهو المراد بقوله : ( إذا سمعوا خيرا ) ذكرت متكلم وحده به وفي جمع صم مع سمعوا صنعة أصابته آفة فهو مؤوف قال الشيرازي تقديم الصمم على البكم بين وأما تأخير العمى فلأنه شامل العمى الفؤاد الحاصل من طرق المبصرات بعدم التبصر والحاصل من عدم تبصره في نفسه وهو بهذا المعنى متأخر لأنه معقول صرف . قوله : أذنوا أي استمعوا من قولك أذنت الشيء إذنا إذا أصغيت إليه وهذا البيت من أبيات الحماسة وقبله : إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * عني وما سمعوا من صالح دفنوا
--> ( 1 ) إذ الحق إما من قبيل المسموع أو المبصر وليس من الملموسات والمذوقات والمشمومات وانتفاؤها لا يضر المقصود .