اسماعيل بن محمد القونوي
256
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الاشتداد يسمى ضوء وإذا زال الاشتداد يسمى نورا فلا اجتماع في زمن واحد من جهة واحدة وأما الاشكال بأن النار جوهر لطيف مضيء بالذات فلا يطلق على ما قام بها من الكيفية نور بل يطلق ضوء فقط على هذا الفرق من أن الضوء ما قام بالمضيء لذاته والنور ما قام بالمضيء لغيره وتوجيه كلامه هنا مبني عليه كما عرفت وقد صرح به بعض المحشيين فلا كلام في متانة هذا الاشكال لكن يمكن الاعتذار بأن مراد المصنف بيان اشتداد الضوء وزيادته وضعف النور بالنسبة إلى الضوء من غير نظر إلى كونه قائما بالمضيء لذاته أو لغيره وفيه بعد لا يخفى ويمكن توجيه كلامه بأن صاحب الكشف ذهب إلى أن الضوء فرع النور يطلق على الشعاع المنبسط والنور يطلق على الشيء في نفسه كالنور القائم بالشمس والضوء أبلغ منه وإن كان فرعا لأن الإبصار بالفعل إنما يتأتى بمدخلية الضوء ولا يكفي فيه النور إذ النور القائم بالشيء إنما يبصر به نفس ذلك الشيء لا غير وأما رؤية ما سواه فهي بتوسط الضوء الفائض ومن هذا تبين أن جعل الشمس سراجا أبلغ من جعل القمر نورا لأن الأولى وصفت بأنها يبصر بها الأشياء فإن ذلك شأن السراج والثانية بأنها وصف يبصر ويهتدى به فافهم ولا يخفى أن الأصل إذا عدم يعدم ما يتفرع عليه فلذا قيل : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] حين أريد زوال ذلك عنهم بالكلية كذا في السالكوتي وفيه خلل أما أولا فلأنه شرح لا يطابق المشروح فإن الشيخين اعتبرا الزيادة في الضوء لا ما ذكره فأنى يصح إثبات الزيادة في الفرع وأما ثانيا فلأنه قد سره أشار إلى رده بقوله إطلاق كل واحد من الضوء والنور على الآخر مشهور فيما بين الجمهور فلا ينافي الفرق المأخوذ من اصطلاح البلغاء على ما ذكره ولا المأخوذ من اصطلاح الحكماء وهو أن الضوء ما يكون للشيء لذاته والنور ما يكون من غيره انتهى . أشار إلى أن ما ذكره صاحب الكشف قول منقول عن ابن السكيت مخالف لقول الجمهور فلا يعبأ به وإن كلا منهما كالمترادفين والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الاصطلاح لا من أصل الوضع واللغة والظاهر من كلام المصنف هنا وصرح به في سورة يونس أن الفرق هو المأخوذ من اصطلاح الحكماء وأما قول صاحب الكشف ولهذا يقع على الذوات الجوهرية بخلاف الضوء فظاهره أنه مبني على أن أصل مسمى النور وحقيقته جسم نوراني فهو مخالف لما صرح به الجمهور من أنه عرض قائم بالجسم وأما إطلاق النور عليه تعالى فلا يصح عليه تعالى إلا بالتأويل كما حققه المصنف في سورة النور « 1 » وأما ثالثا فلأن ما ذكره مخالف لما ذكره المصنف في سورة النور من أن النور كيفية تدركها الباصرة أولا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما .
--> ( 1 ) ولو قيل إن الضوء يجوز أن يطلق عليه تعالى بنحو التأويل المذكور في النور لم لا يجوز أن يطلق عليه تعالى جوابه أن الاطلاق موقوف على السماع لا على غيره وأما إطلاقه على سائر الذوات دون الضوء مجازا فغير مسلم ولو سلم ذلك فلا يقتضي أن يكون النور أقوى فإنه مبني على اللغة لا مدخل للإطلاق المذكور في كونه أقوى .