اسماعيل بن محمد القونوي
254
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
غاية الضعف إذ قد عرفت أن كون المعنى الحقيقي ممتنعا في شأنه تعالى لا يقتضي كون ذلك المعنى الحقيقي منتفيا بالكلية لأن باب المجاز مفتوح وهنا مجاز عن متانة الأخذ بحيث لا يرجى النجاة تشبيها بأخذ السلطان في قولهم ذهب السلطان بماله فإن السلطان لم يذهب ولم يجعل المال ذاهبا لكن ذكر الملزوم وأريد اللازم فكذا هنا فهل يمكن أن يقال معنى الاستهزاء ليس السخرية لأنه تعالى لا يتصف بها وكذا الخداع ليس بمعنى الكيد لأنه تعالى لا يتصف به مع أنه أطلق عليه تعالى في قوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] وقوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] ونظائر ذلك كثيرة فالإمام أراد به معنى لكن لم نطلع عليه إذ علو منصبه في العلوم الأدبية يأبى عن إرادة ظاهر الكلام المذكور ثم الفرق المذكور عام في كل مادة يمكن اعتباره فيه كرجع بزيد وأرجعه وخرج بزيد وأخرجه بخلاف مات بزيد وأماته فإنه لا يمكن الفرق بينهما بل معناهما جعله ميتا فتأمل وكن على بصيرة فما قاله البعض قلت : من النحاة من قال إنه لا يختص بمادة انتهى . يشعر بأن بعض النحاة قال بأنه مختص بمادة وبعضهم لا والظاهر أن من قال بالاختصاص أراد بمادة لا يمكن اعتباره فيها ومن نفي الاختصاص أراد بمادة يمكن اعتباره فيها كما أوضحناه بالمثال فإن قيل كيف يقال إن المبالغة جاءت من الإلصاق والمصاحبة وهو معنى آخر للباء غير التعدية مع أن كثيرا من النحاة ذهب إلى أن باء المصاحبة مع مجرورها كجاء بثياب السفر ظرف مستقر أبدا وهو مناف لما ذكر أجيب بأنه ليس المراد بالاستصحاب المصاحبة التي يعبر عنها بمع بل الملازمة وعدم الانفكاك كما أشار إليه المص بعطف الاستمساك بمعنى الإمساك عليه وقد نقل أهل اللغة عن ابن فارس أن كل شيء لازم شيئا فقد استصحبه ومنه الاستصحاب عند أهل الأصول كذا قيل ولا يخفى ما فيه إذ المراد بالاستصحاب ما فهم من الباء فما الفائدة في هذا التطويل فالجواب الشافي أن هذا ذهب به بمعنى استصحبه في أصل اللغة كما حكاه الحريري في درة الغواص عن المبرد وكذا صاحب المثل السائر كما نقله البعض عنه ويؤيده قول البعض الآخر ولا يبعد أن ينظر صاحب المعاني إلى معنى الهمزة والباء الأصليين أعني الإزالة والمصاحبة والإلصاق ففيه لطف لا ينكر انتهى . ولا بعد في اعتبار المعنى الأصلي في المعاني الأخر كما عرفت من اعتبار المعنى الأصلي في ألقاب الأعلام . قوله : ( ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ ) الأولى ولذلك اختار النور قوله : ولذلك عدل أي وللمبالغة في إذهاب ضوئهم رأسا عدل عن لفظ الضوء مع أنه مقتضى ظاهر لفظ أضاءت إلى لفظ النور والحاصل أن مقتضى الظاهر أن يقال فلما أضاءت ما حوله اذهب اللّه ضوءهم فعدل عن الهمزة إلى الباء وعن الضوء إلى النور للمبالغة في طمس نورهم بالكلية والحاصل أن نفي القليل يوجب نفي الكثير دون العكس وفي معناه : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [ الإسراء : 23 ] وفي الكشاف ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة فلو قيل ذهب اللّه بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورا والغرض إزالة النور عنهم رأسا