اسماعيل بن محمد القونوي
250
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الأول بل رجحانه ألا يرى أن المص والزمخشري يجوزان أن يكون اللفظ مجازا بالنظر إلى القرينة الضعيفة وحقيقة لعدم الالتفات إليها لضعفها ( كما في قوله تعالى : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [ يوسف : 15 ] تأييد لما قاله لكن لا حاجة إليه لأنه كثير شائع بمعونة القرينة وهنا لما كان المذكور يصلح أن يكون جوابا فما الداعي إلى ارتكاب الحذف وقد عرفت أن ما ذكر من القرينة الضعيفة لا يعبأ بها والجواب المحذوف هناك مثل ما فعلوا بيوسف ما فعلوه من الأذى . قوله : ( للإيجاز ) هذا سبب مصحح وقيل مرجح للحذف إذ المقام مقام الإيجاز لإيهامه أن الجواب مما تقصر عنه العبارة وما قدروه مثل انطفأت ليس بمتعين ولعل لهذا قال والجواب محذوف ولم يتعرض لتقديره وتركه في مقام الإيجاز مخل بالفصاحة قوله ( وأمن الالتباس ) فيه خفاء فإنه لما صح أن يكون ذَهَبَ اللَّهُ [ البقرة : 17 ] الآية . جوابا فما معنى نفي الالتباس والقول بأن ضمير نورهم كونه جمعا قرينة على أنه راجع إلى المنافقين الخ . ضعيف فإن الذي لكونه جنسا ليس له جمع يصح أن يكون مرجعا لضمير الجمع كما مر تحقيقه وبهذا يظهر ضعف ما قاله الزمخشري وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس الدال عليه وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة « 1 » إذ مراده من الدال كون ضمير بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] جمعا وقد عرفت حاله ولذا قال صاحب الكشف جعل ذَهَبَ اللَّهُ [ البقرة : 17 ] جوابا أولى لعدم الاستطالة ولأن كونه من تتمة التمثيل الأول يوجب مطابقته للتمثيل الثاني لاشتمالها على مبالغات ومن دأب البليغ أن يبالغ في المشبه به ليلزم منه المبالغة في المشبه ضمنا انتهى وما قاله النحرير في جوابه من أن الاستطالة بالنسبة الدين عن الشيرازي أنه قال في إيثار وجه الحذف فيما نحن فيه نظر لأن الأفصح الذكر لعدم استطالة الكلام ولأن جعل قوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] من تتمة التمثيل يطابق التمثيل الآتي بعده يعني قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] فإن قوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [ البقرة : 20 ] من تتمة التمثيل قال وكذلك دأب البليغ كلما بالغ في المشبه به لزمت المبالغة في المشبه ضمنا فيضعف الاستئناف وكيف لا يضعف ووجه الشبه بين يعني أن الاستئناف إنما كان بليغا إذا كان وجه الشبه خفيا ليتوجه السؤال فحيث كان بينا لم يبق له محل بليغ وفي جعله بدلا من جملة التمثيل على الاحتمال البعيد فوت المعنى الذي حذف جواب لما لأجله يعني أبلغية الحذف بل ادعاه أن ذهب اللّه بنورهم أبلغ من ذلك وإلا لم يكن من الحالة المقتضية للإبدال في شيء فافهم فقد لاح للمسترشد أن الوجه أن يجعل ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] جواب لما ثم قال الفاضل أكمل الدين هذا كلام نقلته مع زيادة بيان فإن كلامه مغلغ .
--> ( 1 ) تمامه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى كأنه قيل فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام متحيرين متحسرين على فوت الضوء خائبين بعد الكدح في إحياء النار انتهى فحينئذ تفوت المبالغة في المشبه به التي حصلت بإسناد الإذهاب إلى اللّه تعالى كما صرح به نفسه والمشهور أن يكون المشبه به أقوى في وجه الشبه فإن كان خمود النار معتبرا بنفسها مع أن خمود نور المنافقين بإطفاء اللّه تعالى يكون الأمر بالعكس فحينئذ يحتاج إلى تكلف وتعسف في توجيهه .