اسماعيل بن محمد القونوي
227
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المطلوبين ( لأن رأس مالهم ) أي لأن الذي يشبه رأس المال في التأدية إلى الربح التام ( كأن الفطرة السليمة ) التي فطر الناس خلقهم عليها وهي قبولهم للحق وتمكنهم « 1 » من إدراكه أو ملة الإسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها والمراد بالسليمة السلامة عن أوساخ الكفر وسوء العقائد ( والعقل الصرف ) أي الخالص عن شوائب الوهم واستيلاء الهوى ولم يتعرض للقوى لأنها تابعة للنهي . قوله : ( فلما اعتقدوا هذه الضلالات ) وأصروا عليها واستحسنوها ( بطل استعدادهم ) أي بالكلية إذ البطلان يقتضيه فالظاهر من كلامه أن المراد بهم من علم اللّه تعالى : أنهم يَمُوتُونَ [ النساء : 18 ] على الكفر وإلا فأصل الاستعداد حاصل لهم ولسائر الكفار وإنما قال ( واختل عقلهم ) لأن مدار التكليف الذي هو العقل باق وإن لم يكن كاملا لغلبة الوهم وقلة الفهم ولقد أجاد في اختيار البطلان في الاستعداد والاختلال في العقل ومعنى الاستعداد التهيؤ والقابلية قريبا كان أو بعيدا وهو يقبل الشدة والضعف ويجوز زواله بعد الوجود وحدوثه بعد أن لم يكن لكن إذا أريد به الفطرة لا يجوز تغيره كما قال اللّه تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] الآية . فحينئذ يكون المراد بإبطاله عدم الانتفاع به فكأنه معدوم كما يقال للشيء العديم النفع إنه معدوم وهذا محمل قوله ( ولم يبق لهم رأس مال يتوسلون به ) وإلا فقد عرفت أن تلك الفطرة التي تشبه رأس المال باقية . قوله : ( إلى درك الحق ) بفتحتين وسكون الراء لغة فيه أي وصوله وهذا إشارة إلى القوة النظرية التي خلاصتها التوحيد ( ونيل الكمال ) إشارة إلى القوة العملية التي زبدتها الاستقامة . قوله : ( فبقوا خاسرين ) فيه إشارة كالتصريح إلى أن المراد من يموتون كافرين قوله ( آيسين ) أي محرومين فالمراد لازمه إذ اليأس ليس حاصلا لهم ( من الربح ) المعبر عنه بدرك الحق الخ . ( فاقدين ) أي مثل فاقدين في عدم الانتفاع ( للأصل ) وهو الفطرة السليمة وإنما قدم الربح مع أنه متأخر لأنه مقصود بالذات والأصل وسيلة إليه كما أشار إليه بقوله يتوسلون به والوسائل مقصودة بالتبع وقدم رأس المال فيما مر نظرا إلى أنه موقوف عليه وحقه بهذا الاعتبار التقدم فنظر إلى الجهتين في الموضعين . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 17 ] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) قوله : ( لما جاء بحقيقة حالهم ) أي بين بقولهم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا [ البقرة : 8 ] قوله : لما جاء تحقيقه حالهم عقبها إلى آخره ويعني أن قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ
--> ( 1 ) وتمكنهم من إدراكه الخ فيه إشارة إلى أن المراد برأس المال التمكن من الهدى لا الهدي لما مر من أنه ليس في أيديهم ومعنى بطلانه عدم الانتفاع به وأن المراد من يموت على الكفر ولا يدخل فيهم من آمن منهم ومات على الإسلام ولو فرض دخولهم لكان الكلام عاما خص منه البعض بقرينة ما أسند إليهم .