اسماعيل بن محمد القونوي
22
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يجعل الخبر جملة وإلا فيعتبر مفردا واختيار الجملة الاسمية للإشعار بدوام مضمونها وثبوتها في جميع الأوقات والأحوال ويظهر من هذا رجحان الوجه الثاني وبين رجحانه أيضا بأن سواء اسم غير مشتق فتنزيله منزلة الفعل وأعماله كعمل الفعل خلاف الظاهر وأيضا المقصود من الوصف بالمصدر المبالغة في شأن محالها كأنها صارت عين ما قام بها فزيد عدل تجسم منه فإذا أولت باسم الفاعل أو بتقدير مضاف فإن المقصود انتهى وقد سمعت ما يدفع هذا الوجه الأخير مما نقل عن الشيخ عبد القاهر وتقديم الخبر على المبتدأ هنا مما تخفى فيه النكتة المذكورة في فن البلاغة في تقديم الخبر وتقوى الحكم مستغنى عنه بإيراد أن المفيدة لتأكيد النسبة مع أن الأصل في الخبر الافراد ولعل لهذا رجح المصنف الوجه الأول وقدمه . قوله : ( سيان عليهم ) فيه إشارة إلى أن الأصل التثنية في الخبر لكون المجرى عليه شيئين لكنه رعاية لجهة المصدرية ويرد عليه أن المصدر إذا أريد به العدد كالنوع يجب تثنيته وجمعه والظاهر أن العدد مراد هنا فالوجه الأول أهل راجح أيضا . قوله : ( والفعل إنما يمتنع ) استئناف دفع به إشكال أن الفعل لا يكون مخبرا عنه والمعنى إنما يمتنع ( الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له ) وهو الحدث مع الزمان والنسبة إلى فاعل ما أو إلى فاعل معين لأنه غير مستقل بالمفهومية وأن صحة الحكم على الشيء موقوفة على ثبوته في نفسه واستقلاله بالمفهومية ليمكن إثبات غيره له لكن يرد عليه أن ذلك إذا كان المراد بالنسبة النسبة إلى فاعل معين كما هو المشهور وأما إن كان المراد النسبة إلى فاعل ما كما هو رأي البعض فهي مستقلة لأنها تتعقل من ذكره فيكون معناه قوله : والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له لما حكم بأن انذرتهم أم لم تنذرهم مرفوع المحل بأنه فاعل أو مبتدأ وعلى التقديرين يلزم أن يكون الفعل مسندا إليه ومخبرا عنه توجه عليه أن الفعل مسند وخبر إنما يمتنع أن يكون مسندا إليه ومخبرا عنه فدفع الشبهة بقول والفعل إنما يمتنع الخ فقوله كقوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا [ البقرة : 13 ] تمثيل لما أريد به اللفظ وقوله تعالى : يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [ المائدة : 119 ] وتسمع بالمعيدي خير مثالان لما أريد به الحدث فإن ينفع مجرور المحل على أنه مضاف إليه ليوم لأن ينفع وإن كان في صورة الفعل لكن المراد به الحدث أي المصدر وتقديره يوم نفع الصادقين وتسمع في محل الرفع على أنه مبتدأ وخبره خير إذ التقدير سماعك بالمعيدي خير وأما وقوعه في صورة الفعل فلإيهام معنى التجدد قال صاحب الكشاف فإن قلت الفعل أبدا خير لا مخبر عنه فكيف صح الإخبار عنه في هذا الكلام قلت هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بينا من ذلك قولهم لا يأكل السمك وتشرب اللبن معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصلح من عطف الاسم على الفعل تم كلامه اعلم أن المخبر عنه في أمثال ما وقع فيه الفعل فاعلا أو مبتدأ أو مضافا إليه هو الحدث المقيد بما قام به فلا يرد أن المخبر عنه هو الجملة لا الفعل وحده .