اسماعيل بن محمد القونوي

219

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

باللبن القليل تجعله فيه شيئا بعد شيء حتى يقوى على المص ويقال فلان يرشح للوزارة أي يربى ويؤهل لها وقيل أصل الترشيح خروج البلل والقطرات الصغار مما يشتمل على شيء مائع ماء كان أو لا وعاء كان أو لا كالضرع وفي المثل وكل إناء بالذي فيه يرشح انتهى فالأولى أن يقال أصل الترشيح إخراج البلل والقطرات الصغار كما يفصح عنه وكل إناء يرشح بما فيه وما ذكره هو الترشيح وقال ثم العرب كنوا به عن تربية الأم ولدها لأنها ترشحه لبنها قليلا وفيه نوع مخالفة لما في الصحاح ثم تجوزوا به تجوزا مبنيا على الكناية عن مطلق التربية والتهية لأمر ما فقيل فلان يرشح للوزارة إذا تأهل لها ثم نقله أهل المعاني لما يلائم المعنى المجازي غير القرينة المعينة وحاصله أنه لفظ يذكر مع المجاز يناسب معناه المراد منه وقد يستعمل الترشيح في ذكر ما يلائم المعنى المجازي كما يستعمل في لفظ يلائمه إما بالاشتراك بينهما أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر واستعماله في ذكر ما يلائمه أوفق لأصل معناه وهو المصدر لكن الغالب في الاستعمال هو اللفظ الدال على الملائم فهو من قبيل نقل المصدر إلى ما قام به فإنه يرشح المجاز ويربيه ويزينه فهو مأخوذ من الترشيح بمعنى التربية كما ذكر في الصحاح لا إخراج البلل فإنه لا مناسبة بينهما وهو « 1 » البلادة فأخذ الوهم وصوره بصورة الحمار باختراع لازمه وهو الأذن له ثم اطلق على ذلك المخترع المتوهم اسم المحقق أشار إلى ذلك بقوله فادعوا لقلب الأذن فإن الفاء فيه كهي في قوله تعالى : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 54 ] لأن قوله : فَادْعُوا [ غافر : 14 ] عين قوله جعلوه كالحمار كما أن القتل عين توتيهم وقوله خطلا وأن ترشيح لهذه الاستعارة لأن ذكر الخطل متفرع على اثبات الأذنين وأشار إلى ذلك بقوله فادعوا لهما الخطل فاحش التدبر فيما ذكرت تخلص عن حيرة وقع فيها الرازي يجعل الأذنين والخطل من الترشيح وقال القطب إن ذلك من ترشيح الاستعارة فإنهم إذا أرادوا البلاغة في الاستعارة بنوا على المستعار منه كأنهم ينسبون حديث التشبيه فالأول المراتب التشبيه ثم المبالغة في التشبيه ثم الاستعارة ثم المبالغة فيها بذكر خواص المستعار منه وهو الترشيح مثلا زيد كالأسد ثم زيد أسد ثم جاني أسد ثم يأخذ الوهم في تصويره بصورة الأسد ويخترع له ما للأسد من خواصه ثم أعرض بأن الاستعارة وترشيحها من مباحث البيان فكيف قال من الصفة البديعة وأجيب بوجوه الأول أنه لم يقل إنه من الصفة البديعية بل البديعة والمراد بها مفهوم اللغة أي الغريبة الثاني أن الاستعارة وإن كانت من البيان إلا أن ترشيحها ليس من البيان بل من البديع فإن فيه تزيينا للكلام وهو المسمى بالتتميم فإنه تابع يفيد الكلام مبالغة وإليه أشار بقوله ثم يقفى بأشكال وفيه نظر لأن ترشيح الاستعارة إنما يكون بذكر خواص المستعار منه فلا يخلو عن استعارات تخييلية أو تحقيقية فهو أيضا من البيان قطعا ولو فرضنا أنه من البديع فليس فيه تزيين الكلام فإن اللفظ لا يتزين به بل المعنى يظهر للمبالغة في الاستعارة فهو من تبيين المرام لا من تزيين الكلام الثالث أن البديع يطلق على علم البيان أيضا .

--> ( 1 ) مصرحة كانت أو مكنية فإنه كما يسمى ما زاد على قرينة المصرحة من ملائمات المشبه به ترشيحا كذلك بعد ما زاد على قرينة المكنية من الملائمات ترشيحا لها .