اسماعيل بن محمد القونوي
216
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وجهين الأول الإعراض عن الشيء مطلق هنا والأول مقيد بكونه في يده والطمع في غيره أعم من حصول ذلك الغير والأول مقيد بتحصيله والمتبادر من كلامه أنه مجاز عن مجاز وفي صحته نزاع والأصح جوازه وضمير فيه في قوله ثم اتسع فيه راجع للاشتراء المفهوم من الفحوى والتوسع مناسب للمجاز على مجاز وقد يستعمل لمطلق التجوز قوله ثم استعير هناك وثم اتسع هنا للتفنن . قوله : ( والمعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعل اللّه لهم بالفطرة التي فطر الناس عليها ) إشارة إلى معنى مجازي للاشتراء مذكور أولا ولما كان فيه كون الإعراض عما في يده معتبرا والهدى لم يتحقق فيهم قطعا أشار إلى وجهه بأنه جعلوا لتمكنهم فيه وإعراضهم عنه كأنه في أيديهم فتركوه ( محصلين به الضلالة التي ذهبوا إليها ) فالإعراض عما في يده أعم مما في يده حقيقة وبالفعل ومما في يده مجازا وبالقوة فقوله الذي جعل اللّه لهم بالفطرة الخ تنبيه على ذلك نقل عن المحقق أنه قال جعل تمكنهم من الهدى بعد التكليف به بمنزلة تملكهم إياه فيكون التجوز في نفس الهدى حيث أريد به التمكن منه أو في نسبته إليهم حيث استعير لهم لتمكنهم منه وإذا أريد الهدى الذي جبلوا عليه فلا مجاز أصلا أو هو في الهدى فقط إن كان انتهى وجه ما قاله إن الزمخشري لما حمل الاشتراء على التجوز وأنه بمعنى الاستبدال والاختيار ورد عليه أن استبدال شي بشيء يقتضي أن يوجد كل منهما في يده والهدى ليس في أيديهم فأجاب بجوابين كما عرفتهما والمحقق ذهب إلى أنه إذا نزل التمكن منزلة التملك يجوز إن يقال أن ما بالقوة جعل كأنه بالفعل فالتجوز في الهدى كما سمي العصير مسكرا فسمي التمكن من الهدى هدى بعلاقة القوة والفعل وهذا هو الظاهر ولهذا قدمه ثم قال أو في النسبة أي نسبة الفعل إلى مفعوله أي حق الاشتراء أن يوقع على قوله : جعل اللّه لهم بالفطرة هذا استرجاح منه للجواب الأخير من الجوابين المذكورين في الكشاف روى أبو هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ما من مولود إلا يولد على الفطرة ثم قال اقرؤوا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] فأبواه يهودانه قيل معناه كل مولود إنما يولد في مبدأ الخلقة وأصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المنهي لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس وإنما يعدل لآفة من الآفات البشرية والتقليد وهذا يشير إلى إثبات الهدى لهم مجاز باعتبار ما كان بخلاف ما ذكر في الجواب الأول المذكور في الكشاف فإنه يشير إلى أن إثبات الهوى لهم على التجوز باعتبار ما يؤول إليه قال الفاضل أكمل الدين فيه إن الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية وعدم كونهم عليه مكشوف ظاهر لا يخفى على أحد وأما إن كل مولود يولد على الفطرة فذلك شيء آخر على أن المفهوم من الفطرة سلامة الإنسان على الاعتقادات أو التهيؤ لقبول اعتقاد الحق وليس ذلك الدين القيم لأن عطف بيانه ملة إبراهيم وهي عبارة عن أوضاع ليست بقائمة بكل مولود وإن كان صالحا لقيامها به فعاد الجواب الثاني الأول على أن إطلاق الفطرة إن صح على الدين القيم لم يصح على الهدى بالتفسير المذكور له وإن اصطلح جديرا فمن شاء فليلتزمه إلى هنا كلامه هذا رد لكلام الكشاف في الجوابين المذكورين للسؤال لقوله كيف : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] الخ .