اسماعيل بن محمد القونوي
209
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مد الجيش فعل اللّه تعالى بالتقدير المذكور وجعل بعضهم هذا وجها ثالثا من تأويلات المعتزلة بناء على أن قوله أو مكن الخ من تتمة الوجه الأول ولا خير فيه أخره وضعفه إما لفظا فلأن فيه احتياجا إلى تقدير كثير وكذا الوجه الثالث أو الثاني يحتاج إلى التقدير ولذا أخره عن المتقدم وقدمه على التأخر وإما معنى فلأن المد في العمر للتنبيه والزيادة في الاستصلاح من الألطاف بأي حال كانا فلا يناسب عطف يَمُدُّهُمْ بهذا المعنى على يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] الوارد وعيدا هذا وجه الضعف ووجه الصحة هو أن هذه الألطاف لما لم ينتفعوا بها كانت وبالا عليهم فكان وزانها وزان الاستهزاء على أن التضاد من أسباب صحة العطف ومعدود من الجوامع . قوله : ( والطغيان بالضم والكسر كلقيان ولقيان تجاوز الحد في العتو والغلو في الكفر ) إشارة إلى أنهما كما سمعا في مصدر اللقاء كذلك سمعا في مصدر طغى نقل عن الراغب أنه قال الفرق بين الطغيان والعدوان أن العدوان تجاوز المقدار المأخوذ بالانتهاء إليه والوقوف عنده والطغيان تجاوز المكان الذي وقعت فيه ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتعاطاه فقد طغى ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه انتهى ومنه يعلم وجه اختيار الطغيان على العدوان هنا إذ العدوان على التفسير المذكور لا يتناول ارتكاب المناهي ظاهرا لكن في استعمال الشرع لا فرق بينهما ولهذا قال المصنف ( وأصله تجاوز الشيء عن مكانه ) للتنبيه على أنه في الشرع تجاوز حدود اللّه تعالى التي هي مكان معنوي واجب الوقف فيه ومنهي التجاوز عنه وكذا العدوان في الشرع وقوله ( عن مكانه ) أي متباعدا عنه لأن المتعدى بعن إنما هو بمعنى العفو والمغفرة قال عليه السّلام إن اللّه تجاوز عن أمتي الحديث أي عفا وكأنه ضمن التجاوز معنى التباعد هذا مآل ما نقل عنه قدس سره ولا يبعد أن يقال إن كون التجاوز المتعدي بعن بمعنى عفا أيضا يتضمن معنى التباعد إذ معنى عفا محو الجريمة من عفا إذا درس وهو يستلزم التباعد هذا في المخلوق ظاهر وأما في شأنه تعالى فهو عبارة عن الستر وعدم المؤاخذة ( قال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ [ الحاقة : 11 ] ) . قوله : ( والعمة في البصيرة كالعمى في البصر ) أشار إلى أن المراد بالعمه هنا العمة في البصيرة قوة القلب المنور بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للنفس يرى بها صور الأشياء وظاهرها والمراد بالبصر هنا القوة المودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم تتفرقان فتتآويان إلى العين يدرك بها الأضواء والألوان والأشكال وقد يطلق على إدراك العين وعلى العضو ولا يناسبان هنا إذ العمى عبارة عن فقد القوة وإن كان العضو باقيا فالعمه عبارة عن فقد تلك البصيرة وهو مستلزم التحير في قوله : والغلو بالرفع عطف على تجاوز قوله وأصله تجاوز الشيء عن مكانه أي أصل معنى الطغيان هذا المعنى المطلق ثم استعمل في المقيد كتجاوز الحد في العتو .