اسماعيل بن محمد القونوي

192

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

للمشاكلة اللفظية كما أشار إليه بقوله : ( إما لمقابلة اللفظ باللفظ ) أي للمشاكلة تحقيقا أي ذكر جزاء الاستهزاء بلفظ الاستهزاء لوقوعه في صحبته تحقيقا وهذا معنى مقابلة اللفظ والعلاقة هي تلك المشاكلة على ما اختاره البعض وليس مندرجا في العلاقة التي ضبطوها كالتغليب وأنواع العلاقات التي ضبطوها هي المشتهرة في الاستعمال فلا يلزم الإهمال قوله ( أو لكونه مماثلا له ) عطف على لمقابلة اللفظ ووجه ثان لتسمية جزاء الاستهزاء باسمه فحينئذ تكون الاستعارة تبعية بعلاقة المشابهة في المقدار قوله مماثلا كالتصريح بكونه استعارة حينئذ فلا وجه لما قيل من أنه مجاز مرسل حينئذ أيضا بجعل جزاء الاستهزاء تابعا له مترتبا عليه مناسبا له ( في القدر ) انتهى . وهذا مع ما قبله وجه واحد من وجوه التأويل لأن قوله يجازيهم وجه من وجوه تأويل يستهزئ والوجهان بيان له والبعض جعله وجها ثانيا من تلك الوجوه والتوجيه الأول هو الملائم لتقرير المصنف كما ستعرفه على أنه نزاع لا طائل تحته . قوله : ( أو يرجع ) عطف على يجازى إما من الإرجاع أو من الرجع المتعدي لا من الرجوع أي معنى يستهزئ إما يجازي فبينه بالوجهين أو يرجع اللّه تعالى ( وبال الاستهزاء عليهم ) قوله : ( فيكون كالمستهزىء بهم ) إشارة إلى أن يستهزئ استعارة تبعية كالوجه الثاني من وجهي معنى يجازي لكن اعتبر المشابهة هنا بوجه يغاير الوجه الأوّل وهي أنه شبه إرجاع اللّه تعالى وبال الاستهزاء بالاستهزاء في أن ما يلزم الاستهزاء يلزم الإرجاع المذكور فكانت المشابهة في ترتب الأثر هنا وهناك المشابهة في المقدار فلا وجه لما قيل من أن العطف بأو في قوله أو يرجع ليس على ما ينبغي لأن المعطوفين واحد اللهم إلا أن يحمل الأول على الجزاء الأخروي والثاني على الدنيوي انتهى وفيه خلل لا يخفى أما أولا فلأن قوله لأن المعطوفين واحد ضعيف لأن المعطوف عليه قوله يجازي فهو موجه بالوجهين مغايرة الوجه الأول لهذا المعطوف جلية واضحة وإن سلم أن مؤدى الوجه الثاني والمشبه به وثالثا على المجاز المرسل حيث أريد بالاستهزاء ما هو غاية وغرض من انزال الهوان والبوار عليهم فإن الأفعال الجارية على اللّه تعالى التي لا تصح أن يجري عليها مجازاة لأن لها آثارا وغايات والمراد من تلك الأفعال الآثار والغايات لا أنفسها لأنها قبائح لا تصدر من اللّه تعالى فللاستهزاء غرض وغاية وهو طلب الهوان بالمستهزأ به فأطلق هنا الاستهزاء وأريد طلب الهوان اطلاقا للسبب على المسبب قال صاحب الكشاف معناه إنزال الهوان الحقارة بهم لأن المستهزىء غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية بمن يهزأ به وإدخال الهوان والحقارة عليه والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك منها الضاحكون ورابعا على الاستعارة المركبة المسماة بالتمثيل حيث شبه صنع اللّه معهم في الدنيا من إجراء أحكام المسلمين عليهم في الظاهر وهو مبطن بادخار العذاب كما مر في أحد وجوه تفسير قوله تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ [ البقرة : 9 ] أو في الآخرة من فتح باب لهم من أبواب الجنة فإذا اسرعوا إليه ليدخلوه سد عليهم الباب بصورة صنع الهازىء مع المهزوء به وقيل هذا من قبيل التهكم بالفعل لا بالقول كما تهكم بنمرود بتلطيخ السهم بالدم .