اسماعيل بن محمد القونوي

180

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

يتلاشى والقول بأن مثل هذا يقال إنه مطروح ولا يقال إنه ملقى ضعيف قوله جعلته للتنبيه إن الهمزة للصيرورة لا للتعدية فإنه متعد إلى مفعول واحد مطلقا كما أشار إليه بقوله لقيته ولاقيته ولا يظن أن قوله جعلته ملائم لكون الهمزة للتعدية إذ كلامه ينادى على خلافه . قوله : ( من خلوت بفلان ) الخلاء مصدره كالخلوة نقل عن الأساس أنه قال خلا المكان خلاء وخلا من أهله وعن أهله وخلوت بفلان ( وإليه ) ومعه خلوة وخلا بنفسه انفرد ( إذا انفردت معه ) وفي التاج والخلوة تستعمل باللام وإلى والباء ومع بمعنى « 1 » واحد انتهى . لكن الاستعمال بالاعتبار مغاير للآخر فتعديته باللام لكونه غرضا له في الأكثر وتعديته بإلى باعتبار أن انفراده منته « 2 » إليه وتعديته بالباء لملابسة ذلك الفلان ومصاحبته أو استعانته واستعماله بلفظة مع ظاهر وهذا ليس من باب التضمين ولا من جعل بعضها بمعنى الآخر وما نقل عن الإيضاح لابن الحاجب أن للتعدية معنيين أحدهما أن لا يعقل معنى الفعل وما أشبهه إلا بمتعلقه لأنه من المعاني النسبية فكل معنى نسبي لا يعقل إلا بما هو منسوب إليه وغير المتعدي ما لا يتوقف تعقله على متعلق له والثاني كل جار تعلق بفعل فإنه يقال له متعد بذلك الحرف وإن لم يكن نسبة ولا بمعنى النصير انتهى . فمحمول على أن الأول معنى التعدية بنفسه والثاني معنى التعدية بحرف الجر فالخلاء غير متعد بالمعنى المشهور فيتعدى بحرف من تلك الحروف وقال الرضي خلا في الأصل لازم يتعدى إلى المفعول بمن نحو خلت الدار من الأنيس وقد يضمن معنى جاوز فيتعدى بنفسه كقولهم افعل هذا وخلاك ذم والزموا هذا التضمين في باب الاستثناء ومن ههنا قال المصنف ( أو من خلاك ذم أي عداك ) للإشارة إلى ذلك أي خلا منك ذم فنصب بنزع الخافض كذا قيل وما ذكرناه أولا من تضمين معنى جاوز هو الظاهر من كلام المصنف وإن أوهم كلامه ( ومضى عنك ) ما ذكره القيل لكن ذكره لتوضيح المعنى لا لتوجيه المبنى فحينئذ يكون المعنى وإذا خلوهم فحذف المفعول الأول روما للاختصار لظهوره من سوق الكلام وأيضا الأهم بيان قوله : من خلوت بفلان وإليه الخ ذكر لخلا ثلاثة معان الانفراد والمضي والسخرية فقوله عز وجل : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [ البقرة : 14 ] على معنى الانفراد ظاهر لأن كلمة إلى ح تكون صلته وكذلك إذا كان بمعنى مضى فإن معنى مضى إليه ذهب إليه وأما إذا كان بمعنى السخرية فيحتاج إلى تضمين معنى الإنهاء إذ لا يصح حينئذ أن يكون إلى صلته فيجب أن يكون المعنى على ذلك وإذا سخروا منهيين سخريتهم إلى شياطينهم وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم كما تقول احمد إليك فلانا واذمه إليك أي انهى إليك حمده وعليه قول ابن عباس إني احمد إليك غسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود .

--> ( 1 ) وبهذا ظهر ضعف ما في اللباب من أنه إذا تعدى بإلى كان نصا في الانفراد فقط وإذا تعدى بالباء وهو الأكثر احتمل معنيين الانفراد والسخرية وجه الضعف أن صاحب التاج صرح به بأن خلا في كل منها بمعنى واحد على أن السخرية معنى مجازي له لا يختص باستعماله بالباء ولا بغيره . ( 2 ) قال المصنف في سورة يونس وَيَهْدِي [ البقرة : 26 ] كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهى غاية الهداية انتهى وهذا يؤيد ما ذكرنا ولا يضره اتحاد معناه في استعماله بتلك الحروف .