اسماعيل بن محمد القونوي
169
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وإنما سفهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم ) قد مر مرارا أنهم لكونهم صما وعميا ومختومي القلوب رأوا الحسن قبيحا والقبيح حسنا اعتقدوا أن آراء المسلمين فسدت وعقولهم اختلت وكانوا من زمرة السفهاء خارجين عن عداد العقلاء وبناء التفعيل للنسبة مثل فسق أي وإنما نسبوا المؤمنين إلى السفه لاعتقادهم الخ . قوله : ( أو لتحقير شأنهم ) لأنهم كانوا في وجاهة وسعة عيش في قومهم ولذا حقروا شأن المسلمين الفقراء فنسبوا السفه إلى الكل مجازا للملابسة التامة . قوله : ( فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ) إشارة إلى ما ذكرنا فيكون من قبيل قتل بنو فلان والقاتل واحد منهم وإنما احتجنا إلى ذلك لأن لام السفهاء إما للعهد أو للجنس وعلى كلا التقديرين لا مساغ لأن يراد بها فقراء المسلمين فقط أما على الثاني فظاهر وأما على الأول فلأن المعهودين أما الرسول عليه السّلام ومن معه أو من آمن من أهل ملته فحينئذ يجري هذا الوجه والذي قبله على تقدير كون اللام في السفهاء للجنس أو العهد لما عرفت سره ( ومنهم موالي كصهيب وبلال ) . قوله : ( أو للتجلد وعدم المبالاة ) أي التكلف أي الشجاعة مأخوذة من الجلد بفتحتين الأرض الصلبة والمشتق منه قد يكون جامدا وسيجيء البيان إن شاء اللّه تعالى قيل يعني أنهم كانوا عالمين بأن من آمن منهم من السفه بمعزل إلا أنهم سفهوهم إظهارا للشجاعة وعدم المبالاة بإيمانهم توقيا من الشماتة بهم انتهى . وهذا التوجيه لا يلائم قوله تعالى : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ [ فاطر : 8 ] الآية . وما سبق أيضا تصوروا الفساد بصورة قوله : وإنما سفهوهم أي حكموا عليهم بالسفاهة وانسبوهم إليها والحكم بالسفاهة مستفاد من التعبير عنهم بلفظ السفهاء وفي الكشاف والاستفهام في أَ نُؤْمِنُ [ البقرة : 13 ] في معنى الانكار واللام في السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] مشار بها إلى الناس كما تقول لصاحبك إن زيدا قد أسعى بك فتقول أو قد فعل السفيه ويجوز أن يكون للجنس وينطوي عنه الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم لأنهم عندهم اعرق الناس في السفه . قوله : سعى بك معناه سعى بك إلى الوالي أي وشى به ونم وإذا حمل معنى اللام على الاستغراق يكون السفهاء شاملا للناس الذين سبق ذكرهم ولغيرهم ولما كان سوق الكلام لهم دخلوا فيه دخولا أوليا كما في قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ البقرة : 89 ] ويتغير معنى السفهاء بتغير إرادة معنى الناس جنسا أو عهدا على كلا التقديرين فيه . قوله : أو للتجلد أي للتصبر قوله إن فسر قيد لكون التسفيه للتجلد هذا مبني على أن اللام في السُّفَهاءُ [ البقرة : 13 ] و النَّاسِ [ البقرة : 13 ] للعهد بخلاف التعليلين الأولين فإنهما على كون اللام فيهما للجنس والحاصل أن المنافقين إنما سفهوا المؤمنين مع أنهم العقلاء المراجيح ووزان العقول لأجل أوجه ثلاثة الأول أن المؤمنين عندهم على الباطل ومن ركب متن الباطل كان سفيها والثاني أن المؤمنين كانوا فقرآء وهم كانوا في رياسة وسطة فنسبوهم إلى السفه تحقيرا لشأنهم الثالث أنه لما أسلم عبد اللّه بن سلام وأصحابه توقع المنافقون شماتة أعدائهم بهم فتوقوا شماتتهم وقالوا إنهم سفهاء لا يعبأ بهم .