اسماعيل بن محمد القونوي

162

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

يعبر عن الكاملين بلفظ الجنس لادعاء انحصاره فيهم وجه الدعاء أن ما عدا الكاملين من ذلك الجنس بلغ في النقصان مبلغا انحط معه عن مرتبة ذلك الجنس واستحقاقه أن يسمى به فهو ملحق بالعدم كما أشار إليه بقوله فإن اسم الجنس الخ وله طريق آخر وهو أن المقصور عليه يترقى في الكمال إلى حد صار معه كأنه جنس كله وهذا الوجه أنسب بقوله المذكور وفي الكشاف أو للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل وما ذكره المص الوجه الأول من الوجهين فالظاهر الجنس من حيث هو لما ذكرنا ولأن الوجه الثاني المذكور في الكشاف مناسب للاستغراق فالوجه الأول الذي اختاره المصنف يناسب للجنس من حيث هو وقد اختار صاحب الكشاف حصر الجنس على الاستغراق في بحث الحمد وهنا أشار بتقديم الوجه على الأول على الثاني والمصنف اكتفى بالأول لرجحانه والاستغراق لازم له لكن نقل عن الشريف قدس سره انه اختار أن المفيد لذلك لام الاستغراق لا غير فلذا حمل الوجهين على الاستغراق وجعل الأول ناظرا إلى كمال المقصور عليه والثاني إلى قصور من عداه انتهى . قوله إن المفيد لذلك لام الاستغراق لا غير عجب منه لأن كون إفادة لام الجنس ما أفاده لام الاستغراق مما اعترف به في بعض كتبه بل هو أبلغ منه في الإفادة فكيف يدعي أن المفيد لذلك لام الاستغراق لا غير فتدبر فإن العقل يتحير على أن الحصر لأنهم الكاملون المستجمعة للمعاني المخصوصة بالجنس فكأنهم جميع أفراده يستلزم قصور من عداهم وأن غيرهم كالبهائم في عدم التمييز فلا قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] هم كل الناس فمن لا يكون متقيا كأنه ليس بناس وقال الراغب كل اسم نوع فإنه يستعمل على وجهين أحدهما دلالة على المسمى وفصلا بينه وبين غيره والثاني لوجود المعنى المختص به وذلك هو الذي مدح به في نحو إذ الناس ناس والزمان زمان وذلك أن كل ما أوجده اللّه تعالى في هذا العالم جعله صالحا لفعل خاص ولا يصلح لذلك العمل سواه كالفرس للعدو الشديد والبعير لقطع الفلاة البعيدة وعلى ذلك الجوارح كاليد والرجل والعين والإنسان أوجده لأن يعلم ويعمل بحسبه فكل شيء لم يوجد كاملا لما خلق لم يستحق اسمه مطلقا بل قد ينفي عنه كقولهم فلان ليس بإنسان أي لا يوجد فيه المعنى الذي خلق لأجله فقوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 8 ] هو اسم جنس لا غير وقوله كَما آمَنَ النَّاسُ [ البقرة : 13 ] معناه كما يفعل من وجد فيه تمام معنى الإنسانية الذي يقتضيه العقل والتميز وهم الصحابة رضوان اللّه عليهم . قوله : ومن هذا الباب وهو باب تنزيل وجود الشيء بمنزلة العدم لفقد كماله الذي خلق هو لأجله قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ [ البقرة : 18 ] ونحوه كونه من هذا الباب من حيث إن السمع والبصر واللسان لم تخلق لمجرد استماع ظاهر الأصوات وتغليب الحدقة نحو المبصرات وتأليف الحروف والكلمات مطلقا بل المقصود من خلق تلك الآلات إدراك ما به كمال صاحبها فإذا فقدت فيه هذه الخاصية يكون وجودها بمنزلة العدم فيوصف صاحبها بما يوصف به فاقدها من الصمم والعمى والخرس . قوله : يقتضيه العقل أي يحكم العقل أو بمقتضاه .