اسماعيل بن محمد القونوي
160
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اللّه عليه السّلام وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ « 1 » [ الأنبياء : 57 ] بعد أن تولوا مدبرين قال المصنف هناك قاله سرا وهذا الوجه أيضا أقل مؤنة وأيسر تكلفا . قوله : ( الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله : لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] اكتفى بالأدنى وإلا فاللائق أن يقال الإعراض عما يجب الاحتراز عنه وكذا قوله ( والإتيان بما ينبغي وهو المطلوب بقوله آمَنُوا [ البقرة : 9 ] ) أي الإتيان بما يجب والكمال ما يتم به النوع في ذاته أو في صفاته لكن المتبادر منه في مثله التمام في صفاته فلا إشكال بأنه يوهم أن الأعمال جزء من الإيمان وما نقل عن الأئمة الشافعية من أن الأعمال داخلة في الإيمان فمحمول على أنها داخلة في كماله الوصفي لا الذاتي فلا ينتفي الإيمان بانتفائها قيل إنه جعل آمنوا كناية عن طلب الإتيان بما ينبغي ويرد عليه أن قولهم أَ نُؤْمِنُ الخ لا يلائم شموله جميع إتيان ما ينبغي بل الأظهر الأمر بالإيمان الخالص كما أن قوله : لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] نهى عن الإفساد في الأرض الذي النفاق منه وهذا أشار إليه المصنف بقوله الآتي وأما النفاق وما فيه من الفتن والفساد فإنما يدرك بأدنى تفطن الخ على أن الأمر بالإيمان أمر بالأصل المتبوع ولا وجه للعدول عن الحقيقة إلى الكناية أو عن التصريح إليها . قوله : ( في حيز النصب ) « 2 » كما بعد الجملة في الأكثر إما نعت لمصدر على ما اختاره المصنف أي آمنوا إيمانا مشابها لإيمانهم في الخلوص أو حال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل أي آمنوا حال كون إيمانكم مشابها لإيمان والثاني مذهب سيبويه « 3 » ولم يلتفت إليه المص لتكلفه ( على المصدر وما مصدرية أو كافة ) إن كانت كافة للكاف من قوله : في حيز النصب على المصدر أي الكاف في كَما اسم منصوب المحل على أنه صفة مصدر منصوب محذوف وهو مصدر آمَنُوا المذكور وما مصدرية تقدير آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس حذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه وأعرب بإعرابه وسمي باسمه تجوزا فإنهم قالوا انتصابه على المصدر ولم يقولوا على الوصف أو حرف جر وما كافة فلذلك دخلت على الفعل كما تكف بهارب فتدخل على الفعل كما تدخل على الاسم نحو ربما قام زيد وربما زيد قائم فمجرورها مضمون ما دخلت عليه فالتقدير رب قيام به قام زيد ورب قيام زيد قائم بذلك وفيما نحن فيه كإيمان آمن به الناس والباء للملابسة .
--> ( 1 ) حيث خاطب عليه السّلام بأصنامكم والخطاب ظاهر في المجاهرة فإذا جوز أن يكون ذلك القول سرا فما ظنك بجواز كون قول المنافقين مع عدم الخطاب سرا فإنه أولى به وأحرى كما لا يخفى وبعد التأبيد المذكور الإشكال والرد تعصب وخروج عن الانصاف . ( 2 ) في مقام المنصوب على المصدر حقيقة الذي هو الموصوف أي إيمانا . ( 3 ) وإنما احتاج سيبويه إلى ذلك لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة ليس هذا منها وتلك المواضع أن تكون الصفة خاصة بالموصوف نحو مررت بكاتب أو واقعة خبرا نحو زيد قائم أو حالا نحو جاء زيد راكبا أو صفة لظرف نحو جلست قريبا منك أو مستعملة استعمال الأسماء وهذا بحفظ ولا يقاس عليه نحو الأبطح والأبرق وما عدا هذه المواضع لا يجوز فيها حذف الموصوف كذا في اللباب .