اسماعيل بن محمد القونوي
158
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وأما المخادعة على أنفسهم بمخادعة المسلمين فأمر خفي قلما يكون لهم علم بذلك بأخبار اللّه تعالى فلا يكون محلا للاستدراك ولهذا ختم الآية هناك بما يشعرون وما نقل عن ابن كيسان من أنه ما على من لم يعلم أنه مفسد ذم وإنما يذم من أفسد فمردود لأن الجهل ليس بعذر فيما علم من الدين ضرورة وأيضا إنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر للنبي عليه السّلام كذا قيل ولا يخفى ما فيه وقيل والمعنى إنهم لا يعلمون أن وبال ذلك الفساد يرجع إليهم في الدنيا والآخرة كما ذكره السمرقندي وفي التأويلات لعلم الهدى أن هذه الآية حجة على المعتزلة في أن التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلف به وإن الحجة لا تلزم بدون المعرفة . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 13 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) قوله : ( من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين ) أي هذه الجملة معطوفة على جملة وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا الآية والجامع بينهما كون كل منهما نصحا وإرشادا فحينئذ قائل هذا القول هو القائل الأول وقد عرفت أن القائل المؤمنون أو الرسول عليه السّلام لا اللّه تعالى وقد مر وجهه فحينئذ يكون قولهم أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ قوله : فإن كمال الإيمان بمجموع أمرين الخ نصوحهم بأمرين الأول هو تقبيح ما هم فيه لأدائه إلى الفساد والفتنة المدلول عليه بلا تفسدوا في الأرض والثاني بنصرهم طريق الهدى والصلاح المقصود بآمنوا فما كان جوابهم إلا أن سفهوهم وادعوا الصلاح فيما كانوا عليه لجهلهم المركب وتماديهم في الغي وإفراطهم في السفه واعتقادهم أن ما هم عليه هو الحق وأن ما عليه المؤمنون هو الباطل فكانوا عندهم سفهاء وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهال أو لأنهم كانوا ذوي يسار وشرف ورئاسة في قومهم والمؤمنون أكثرهم فقراء وبعضهم موال كصهيب وبلال وخباب وأمثالهم وأكثر أهل الدنيا على أن اليسار مكتسب بالعقل بناء على حكم العقل المحجوب المشوب بالهوى فيلزمهم من توهمهم وحسبانهم الباطل أن الفقر للسفة فسفهوهم لجهلهم وسفههم أو لأنهم أرادوا عبد اللّه بن سلام وأشياعهم فسفهوهم تجلدا وغيظا وتوقيا عن الشماتة بهم لما كسر من ظهورهم وقت في أعضادهم من مفارقتهم دينهم ودخولهم في إسلام مع علمهم بأنهم أعقل الناس والحكمة في هذه المخالفة والمطاورة الواقعة بين الفريقين أن للعقل مراتب وأطوارا أدناها مرتبة العقل المشوب بالهوى المقيدى في قيد الوهم الذي به يختار الفاني على الباقي والأخس على الأشرف وأعلاها مرتبة العقل المنور بالنور الإلهي المكحل بهداية الشرع الذي يختار الأشرف الباقي على الأخس الفاني وكل من الطبقة العليا من مراتب العقل يعذر من هو في الطبقة السفلى وينصحه ويهديه بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن لاطلاع هذا على حال ذاك واحتجاب ذاك على حال نفسه وكل من في الطبقة السفلى يسفه من فوقه ويجننه ويحسبه على الضلال والباطل لعدم اطلاعه على حاله ومطالبه ولذاته ومقاصده ويتعجب عن تركه ما هو ابهى المطالب عنده من اللذات الدنيوية والمشتبهات الحسية وإعراضه عنها .