اسماعيل بن محمد القونوي

147

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( والفساد خروج الشيء ) أي الموجود ( عن الاعتدال ) سواء كان مؤديا إلى الفناء « 1 » أو لا والأول كقوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] والثاني الأشياء التي لا تصلح للانتفاع المقصود منه مع بقاء ذواتها كالفواكه والأطعمة الخارجة عن الانتفاع المقصود منها وهذا هو المراد من الاعتدال وأما قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [ يونس : 81 ] فكون المراد به عمل السحرة راجع إلى ما ذكر بناء على كون السحر مؤديا إلى الفساد لا أنه معنى آخر كما ذهب إليه صاحب اللباب هذا معناه اللغوي ويقرب منه البطلان والفقهاء يفرقون بينهما في المعاملات دون العبادات وفي اللباب والقائم مقام الفعل هو الجملة من قوله : لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] لأنه هو المقول في المعنى واختاره الزمخشري والتقدير وإذا قيل لهم هذا الكلام وهذا اللفظ فهو من باب الإسناد اللفظي وقيل القائم مقام الفاعل مضمر تقديره وإذا قيل لهم هو ويفسر هذا المضمر سياق الكلام كما فسره في قوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] والمعنى وإذا قيل لهم قول سديد فأضمر هذا القول الموصوف وجاءت الجملة بعده مفسرة فلا موضع لها من الإعراب فقوله : لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] في محل رفع على ما اختاره الزمخشري ولا محل لها على قول أبي البقاء وإنما ذهب إليه لأن الفعل لا مساغ له لأن يسند إلى الفعل وأجاب الزمخشري بأنه إسناد له إلى لفظه والممتنع إسناده إلى معنى الفعل كأنه قيل وإذا قيل لهم هذا القول وفيه تأمل فتدبر « 2 » وتفصيل هذا المقام قد مر في تفسير قوله تعالى : أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [ البقرة : 6 ] الآية . قوله : ( والصلاح ضده ) بينه هنا مع أن محله بعد قوله : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ لكونه ضده ولتناسبهما بالتضاد بينه عقيبه وهو الحضور على الحالة المستقيمة النافعة كما في الكشاف فحينئذ الضد اصطلاحي ومقتضى كلام المصنف أن الصلاح عدم خروج الشيء عن الاعتدال فالمراد بالضد ح لغوي أي مطلق التقابل قوله تعالى فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 11 ] الظاهر أن المراد أرض المدينة لكن لا حاجة إلى ذكرها إذ إفساد الكفرة لا يكون إلا في الأرض وعن هذا قيل إن ذكره للدلالة على الاستغراق لكنه ادعاء بأن تعظيم الشريعة والرسول عليه السّلام والمؤمنين كأنه سبب صلاح في جميع الأرض والإفساد الضار بهم كأنه ضار بالدنيا كلها وللتنبيه على ذلك ذكر في الأرض مع الاستغناء عنه ويقرب منه ما قيل وجعل ما عدا أرض المدينة لتمحض الكفر فيها إذ ذاك ملحق بالعدم وأرضها كأنها أرض الدنيا بأسرها لتحقق ما هو المقصود من الأرض فيها وهو التعبد فيها والتجنب عن المعاصي ولهذا السر

--> - ومن غفل عن هذه الدقيقة الرشيقة قال لا يخفى بعد توجيه المصنف والأوجه أو المراد أهل الاتعاظ بهذه الآية من مفسدي الأرض من المسلمين لأنه لم يكن في زمنه عليه السّلام من المؤمنين مفسدون انتهى وعدم كون المؤمنين في زمنه عليه السّلام مفسدين من كمال الاتعاظ . ( 1 ) وجهه أن لا تفسدوا أريد به لفظه باعتبار معناه كما أشار إليه الزمخشري بقوله والتقدير وإذا قيل لهم هذا القول والكلام أي وإذا قيل لهم هذا الكلام مرادا به معناه لا لفظه فقط وإلا لكان مفردا . ( 2 ) وحاصله وقوع الناس في فتنة واختلاط .