اسماعيل بن محمد القونوي

145

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

صلة الموصول الواقع سبب أو بدلا « 1 » إذ المعنى في قولهم إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ادعاء أن ما صدر منا صلاح لا فساد وهذا الادعاء إنما يكون مذموما مؤديا إلى العذاب حين ادعوا ذلك إذا أفسدوا ففي الحقيقة سبب العذاب الفساد ألا يرى أن هذا القول : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ليس قبيحا في نفسه إذا وافق الواقع وهنا ليس كذلك كما عرفت « 2 » فلا وجه لما قاله مولانا خسرو من أن العطف على يكذبون يقتضي أن يكون المعنى ولهم عذاب أليم بقوله تعالى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ وإذا قيل لهم : لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ فيفيد تسبب هذا القول للعذاب لا تسبب الفساد له ولا وجه أيضا لما قيل إنه لا دلالة له على تسبب الفساد بل على تسبب الكذب وهو قوله تعالى : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ انتهى فإنه لما كان قوله لهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ كاذبا علم أنهم أهل فساد فيكون حينئذ دالا على تسبب الفساد ولا يعتبر كون هذا القول سببا للعذاب لأجل كذبه فإن سببية الكذب مستفادة من المعطوف عليه والتخصيص بكذب الرسول عليه السّلام من مقتضيات المقام وأيضا اعتبار كونه كذبا وأنه سبب العذاب يقتضي كونه تأكيدا لا يليق عطفه وعطف التفسير بالواو في الجمل خلاف الظاهر وقد يرجح الثاني بكون الآيات حينئذ على نمط تعداد قبائحهم وإفادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالا وقصدا ودلالتها على لحوق العذاب الأليم بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم في كفرهم ونفاقهم فما ظنك بسائرها والاعتراض عليه بأن هذا مناف لما قدم قبله من قوله إنه جعل عذابهم مسببا لكذبهم رمزا إلى قبح الكذب حيث خص بالذكر من بين جهات استحقاقهم إياه مع كثرتهم وفيه تخييل إن لحوق العذاب بهم إنما كان لأجل كذبهم نظرا إلى ظاهر العبارة المقتصرة على ذكره مدفوع بأن للكذب جهتين الأولى إن الكذب من حيث كونه خبرا غير مطابق للواقع فهو أدنى أحوالهم ومن حيث كونه كذبا للرسول عليه السّلام بقولهم أو إذا خلوا إلى شياطينهم فهو عين النفاق فهو أشنع أحوالهم وأقبح جهات استحقاقهم العذاب من المخادعة وإذاعة أسرار المؤمنين إلى منابذيهم إلى غير ذلك من الأغراض الفاسدة فنظر إلى ظاهر النظم وهو مطلق الكذب فأطلق عليه أنه أدنى أوصافهم ونظر إلى المراد وأطلق عليه أنه أشنع أحوالهم وساق بعض « 3 » الشارحين نكتة لرجحانية الثاني بأن قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا [ البقرة : 13 ] الآية وقوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 14 ] الآية معطوف على قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا [ البقرة : 11 ] الآية فلو عطف على يَكْذِبُونَ [ البقرة : 10 ] كانا أيضا معطوفين عليه فيدخلان في سبب العذاب فتنفي فائدة اختصاص الكذب بالذكر المبني عليه وقد

--> ( 1 ) أن حمل الباء على السببية إن حملت الباء على البدل . ( 2 ) وبهذا التقرير يندفع إشكال آخر وهو أنه إذا عطف وإذا قيل لهم لا تفسدوا أعلى يكذبون كان قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا [ البقرة : 13 ] وقوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ [ البقرة : 14 ] الآية داخلان في سبب العذاب لكونهما معطوفين على وإذا قيل لهم لا تفسدوا فينتفي فائدة اختصاص الكذب بالذكر المبني عليه على ما مر . ( 3 ) وهو الرازي من شراح الكشاف كذا قيل .