اسماعيل بن محمد القونوي

142

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بالإفساد كذا بينه المصنف هناك والحاصل أنه عليه السّلام تكلم على زعم الخصماء المشركين لبيان فساد اعتقادهم بالبراهين لكن ظاهره أنه تكلم من قبله فيكون تعريضا على صورة الكذب لما عرفت من أن التعريض أن يشار في الكلام الخ وهنا كذلك ووجه التعريض في قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : 63 ] هو أنه أسند الفعل إليه تجوزا لأن غيظه لما رأى من زيادة تعظيمهم له سبب لمباشرته له أو تقرير لنفسه عليه السّلام مع الاستهزاء والتبكيت على أسلوب تعريضي كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق أأنت كتبت فقلت بل كتبته كذا قاله المصنف في تفسير هذه الآية فيكون كناية تعريضية ووجه التعريض في قوله إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] أنه أراد به إني سقيم القلب لكفركم أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجا قل من يخلو عنه فهو كما قبله تعريض في صورة الكذب لكن في الأخير التعريض لغوي أعني ما يقابل التصريح والتصريح أن يكون اللفظ نصا في معناه لا يحتمل معنى آخر احتمالا معتدا به والتعريض خلافه وهو أن يكون اللفظ محتملا لمعنيين سواء كانا حقيقيين كما في إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ] على احتمال إرادة خارج المزاج عن الاعتدال في الجملة أولا والبعض يدعي أن المراد بالتعريض هنا المعنى اللغوي لكن الأولى الإطلاق لغويا كان أو اصطلاحيا كما ظهر لك مما قررناه فإن قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ [ الأنبياء : 63 ] كناية تعريضية على الوجه الثاني من الوجهين المذكورين هنا وفي بعض قوله عليه السّلام للملك في جواب سؤاله عن امرأته سارة رضي اللّه تعالى عنها هي أختي حين أراد غصبها لفرط جمالها وكان من طريق السياسة التعرض لذوات الأزواج دون غيرهن بدون رضاهن وجه التعريض حينئذ هو أنه أراد أنها أختي في الدين وهو تعرض لغوي في صورة الكذب والحديث بطوله مذكور في كتب الحديث . قوله : ( ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به ) مشابهتها لكذب من حيث كونها في الظاهر إخبارا غير مطابق للواقع وفي الحقيقة أخبار « 1 » مطابق للواقع كما فصلناه آنفا فقول الخليل عليه السّلام يوم القيامة إني كذبت أستحي من أن أقوم شافعا لأن هذه الكذبات الثلاث ولو كانت معاريض لكنها لما كانت في صورة الكذب عد ذلك ذنبا لعلو مقامه وقربه إلى اللّه تعالى ومن هنا قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار فاللائق بعلو منصبه أن يحترز عما هو ظاهره يرى كذبا وإن ترتب عليه ضرر بالنسبة إلى آحاد الأمة ثقة بعصمة اللّه تعالى وحمايته فالمناسب مبارزة أعدائه بالمكروه بذلا لنفسه في سبيل اللّه

--> ( 1 ) فعلم منه أن الظاهر المعتبر في كون الخبر صادقا أو كاذبا ما قصده المتكلم قصدا جاريا على قانون التكلم لا ما ظهر من كلامه ولذلك لا تعد المعاريض كذبا لما ورد في أن المعاريض لمندوحة عن الكذب قيل فحينئذ لا بد فيها من قرينة على المراد وإن كانت خفية لأنها الفارقة بين الكذب كما صرح به السكاكي إلا أن قول الزمخشري في سورة الصافات أن الكذب حرام إلا إذا عرض ظاهر في أنه من الكذب المستثنى إلا أن يجعل منقطعا انتهى قوله لا بد فيها من قرينة الخ أن أراد بذلك أنه لا بد منها بالنسبة إلى كل شخص فتفوت فائدة التعريض في بعض المواضع بل في كل موضع وإن أراد بذلك بالنسبة إلى شخص لم يكن التعريض لأجله فغير مفيد والظاهر من كلامهم أن القرينة لا تنصب في المعاريض كالأكاذيب فتدبر .