اسماعيل بن محمد القونوي

133

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كذلك بل مراده بيان الفرق بين الإسنادين ويؤيده ما ذكرنا تحقيقه سابقا في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الآية حيث قال وهي أي الختم والتغطية والإغفال والإفساد ( من حيث إنه مسبب من فعله ) إن الممكنات بأسرها مستندة إليه تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه تعالى انتهى فالزيادة إما بالطبع أو بغيره كما قرره فبعد تصريحه بأن مثل ذلك الإسناد بل إسناد جميع الممكنات مما ليس للعبد مدخل فيه حقيقي لا وجه للإشكال هنا بأن هذا التأويل إنما يحتاج المعتزلة إليه « 1 » لا أهل السنة إذ لا قبح في إيجادها أي الختم ونحوه عندنا وأيضا صرح أرباب البلاغة بأن كون الإسناد حقيقة أو مجازا يعرف من مذهب قائله واستوضح بأنبت الربيع البقل حيث يكون الإسناد مجازا إذا صدر من الموحدين وحقيقة إذا صدر من الدهري فكلام المص كونه موافقا في التعبير لكلام الزمخشري لا يضر إذ كل إناء يترشح بما فيه فمراده إن إسنادها إليه تعالى حقيقة إذ لا مدخل للعبد فيها بطريق الكسب وأما تعرضه لكونه مسببا من فعله لتوضيح الفرق بينه ( و ) بين ( إسنادها إلى السورة ) لكونها سببا ألا يرى أنه قال في تحقيق إسناد الختم ونحوه وعلى هذا المنهاج كلامنا وكلامهم فيما يضاف إلى اللّه تعالى من طبع وإضلال ونحوهما انتهى فلو حمل كلامه هنا على ظاهره لكان مناقضا لكلامه هناك مع قطع النظر عن مخالفته لمذهبه فلا بد من التمحل في التوفيق بين كلاميه بمثل ما ذكرناه ( في قوله تعالى فَزادَتْهُمْ رِجْساً [ التوبة : 125 ] لكونها سببا ) . قوله : ( ويحتمل أن يراد بالمرض ما تداخل قلوبهم ) الاحتمال معناه الحقيقي العفو والإغضاء وفي اصطلاح المؤلفين يستعمل بمعنى الجواز فيكون لازما وبمعنى الاقتضاء فيكون متعديا مثل احتمل أن يكون كذا واحتمل الحال وجوها كثيرة كذا قيل وهنا بمعنى الجواز أي ويجوز معطوف على ما قبله معنى أي يجوز أن يراد بالمرض ما يعرض للبدن الخ وإنما قال هنا ويحتمل أن يراد الخ للإشارة إلى ضعفه فإن إطلاق المرض على ذلك ليس بحقيقة وهو ظاهر وإنما يكون مجازا والعلاقة بينها وبين الحقيقي غير ظاهرة واختار تداخل على يدخل لكون التداخل على التدريج والتعاقب أو للمبالغة ( من الجبن ) الخوف ومنشأه ضعف القلب عما من شأنه أن يقوى فيه ( والخور ) بفتح الخاء المعجمة والواو وراء مهملة أصله رخاوة في العصب ونحوه ثم تجوز به عن الجبن وشاع فيه حتى صار حقيقة عرفية فيكون كالتأكيد للجبن والإبقاء على الرخاوة في القلب جائز فيكون تأسيسا ( حين شاهدوا شوكة المسلمين ) والشوكة القوة في الحرب ومنه شاكي السلاح أي تام السلاح كأنهم شبهوا الأسلحة بالشوك في عدم المقاومة والإضرار وفي دفع العدو والضرر . قوله : من حيث إنه مسبب من فعله فإن تكرر انزال الوحي عليهم سبب لزيادة مرضهم فكأنه تعالى زاد مرضهم . قوله : والخور بفتحتين هو الضعف .

--> ( 1 ) لزعمهم أن هذه الأشياء قبيحة والتنزيه عنها واجب .