اسماعيل بن محمد القونوي

126

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وهذا المجاز أيضا من ذكر المسبب وإرادة السبب لأن بقاء المحتاج بسبب المحتاج إليه وإلا فنفس الاحتياج ليس معدودا من العلاقة المعتبرة عند الثقات . قوله : ( وللرأي في قولهم فلان يؤامر نفسه ) قيل بالتثنية أي يتردد بين رأيين فمؤامرة النفس كناية عن التردد والمؤامرة المشاورة كالائتمار لقبول بعضهم أمر بعض فيما يشير به عليه فأبدلت الهمزة واوا فعلاقة هذا المجاز ذكر المسبب وإرادة السبب أيضا كذا قيل والموافق لكلام المصنف ( لأنه ينبعث عنها ) ذكر السبب وإرادة المسبب . قوله : ( أو يشبه ذاتا ما تأمره ) فيكون استعارة مصرحة وهذا هو الظاهر ( وتشير عليه ) . قوله : ( والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم ويحتمل حمله ) فحينئذ المخادعة تحتاج إلى اعتبار التغاير الاعتباري كما عرفت هناك وإذا حملت ( على أرواحهم وآرائهم ) فلا حاجة إلى التغاير الاعتباري وإنما ضعفه مع أن فيه تغايرا حقيقيا لما عرفت أنها حقيقة في الذات ولا قرينة قوية على المجاز وكذا الكلام في الحمل على آرائهم وأيضا لا حسن لمخادعة الأرواح لا سيما إذا كان المراد بها الأبخرة والخداع في الأراء أظهر منه في الأرواح . قوله : ( لا يحسون بذلك ) والتعبير بلا للإشارة إلى أن ما بمعنى لا إذ النفي للاستقبال يومي إليه قوله ( لتمادي غفلتهم جعل لحوق وبال الخداع ) ترك الواو لأن الجملة تذييلية لا عاطفة وبذلك إشارة إلى الخداع لكن المراد لحوق ضرره كما قال جعل لحوق الخ وأيضا نبه بقوله لتمادي الخ على أن النفي لاستمرار النفي لا لنفي الاستمرار . قوله : ( ورجوع ضرره إليهم في الظهور ) أي فقط تركه لظهور الحصر من النظم الجليل اكتفى بالوجه الأوّل من معنى خداعهم لأنفسهم إشارة إلى رجحانه كما أشار إليه بتقديمه « 1 » وفيه إشارة إلى أن ارتباط قوله تعالى : وَما يَشْعُرُونَ بقوله تعالى : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أولى من ارتباطه بقوله تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ أما أولا فلأنه أقرب لفظا وأما ثانيا فلأنه لو ارتبط بذلك لكان المعنى وما يشعرون أن اللّه تعالى : يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ [ البقرة : 88 ] مع أنهم يشعرونه فيحتاج إلى التمحل بأن شعورهم كلا شعور قوله : لأنه ينبعث عنها فيكون من باب تسمية الحال باسم المحل وتسمية الصفة باسم الموصوف يقال فلأن يؤامر نفسه إذا تردد في الأمر واتجه له رأيان داعيان لا يدري على أيهما يعتمد كأنهم أرادوا داعي النفس وهاجسيتها فسموهما نفسين إما لصدورهما وانبعاثهما عن النفس وأما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والأمرين له شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين معنى يؤامر نفسيه يشاور رأييه والتعبير بلفظ المؤامرة لصيرورة كل من الرأئيين معه كالأمرين والمشيرين له . قوله : والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم ومعنى مخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وأراؤهم .

--> ( 1 ) مع أن غيره يعلم بالمقايسة عليه أيضا .