اسماعيل بن محمد القونوي

123

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( لما غروها بذلك ) أي بإظهار الإيمان واستبطان الكفر وفي الكشاف وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به . قوله : ( وخدعتهم أنفسهم حيث حدثتهم بالأماني الفارغة ) أي أرواحهم وهذا إشارة إلى تحقق الخدعة من الجانبين ولو كانت الخدعة مجازا كما هو الظاهر للتغاير الاعتباري فإن الشخص من حيث كونه خادعا لواحد من الآحاد غيره من حيث كونه مخدوعا لشيء من الأشياء بالأماني بتشديد الياء وقد جوز فيها تخفيف الياء جمع أمنية وهي في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من مني إذا قدر ولذلك يطلق على الكذب وهو المراد هنا ولذا وصفها بالفارغة أي الخالية عن الفائدة . قوله : ( وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية ) قد سبق منه أن المنافقين لم يقصدوا مخادعة اللّه تعالى فظاهر هذا الكلام لا يلائم ذلك إلا أن يقال المراد على مخادعة رسول من لا يخفى الخ والأولى أنه إشارة إلى ما ذكره الزمخشري من أنهم يقصدون مخادعة من لا تخفى عليه خافية وقد عرفت توجيهه . قوله : ( وقرأ الباقون وَما يَخْدَعُونَ لأن المخادعة ) كأنه إشارة إلى ترجيح هذه القراءة على القراءة السابقة فحقه التقديم وأيضا قوله ( لا تتصور إلا بين اثنين ) إن أراد به اثنين متغايرين بالذات فغير مسلم إذ التغاير الاعتباري كاف فيه كما اعتبره أو لا وإن أراد به اثنين متغايرين مطلقا فمسلم لكن لا يفيد ترجيح هذه القراءة على تلك القراءة ولو قال لأن المخادعة لا تحسن إلا بين اثنين متغايرين بالذات لكان له وجه وأما عدم التصور فليس بتام وأيضا لم لا يجوز أن تكون المفاعلة بمعنى الثلاثي لإفادة المبالغة كما حملها عليه في يخادعون اللّه نعم ترجيح بعض القراءة المتواترة على بعض آخر منها في الأفصحية شائع وهنا ليس كذلك فالإيراد بأن القراءة إنما هي بالسماع من الرسول عليه السّلام لا بالرأي ومقتضى العقل وحسن الظن بالسلف يدفع مثله ليس بشيء لما ذكرناه ولم يتعرض لترجيح قراءة يخدعون على يخادعون في يخادعون اللّه لأن قراءة يخدعون هناك من الشواذ فلا مساغ لترجيحه على قراءة يخادعون لكونها متواترة وأما ههنا بكلاهما من المتواترات إذ المراد بالباقين في قوله وقرأ الباقون من بقي من القراء السبعة غير ما ذكر أولا فيمكن اعتبار الترجيح في المتواترات عند تحقق أسبابه وما عدا القراءتين من الشواذ . قوله : ( وقرىء ويخدعون من خدع ) من التفعيل كخدع وبناء التفعيل للتكثير في الفعل قوله : وقرىء ما يَخْدَعُونَ [ البقرة : 9 ] قال ابن جني وما يخدعون قراءة عبد السّلام بن شداد هذا على قولك خدعت زيدا نفسه أي عن نفسه على إرادة الايصال أو يحمل على المعنى فيضمر له ما ينصبه وذلك أن قولك خدعت زيدا عن نفسه يدخله معنى انتقضته نفسه وملكت عليه نفسه وهذا من أشد مذاهب العربية وذلك موضع تملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه إليه وبصرفه بحسب ما يؤثره وجملته أنه متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر فكثيرا ما يجري أحدهما