اسماعيل بن محمد القونوي
107
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( تأكيدا ومبالغة في التكذيب ) يعني أن تقديم المسند إليه على الخبر المشتق كتقديمه على الخبر الفعلي يفيد التخصيص إن ولى حرف النفي وهنا كذلك لكنه قد يكون لتقوي الحكم حسبما يقتضي المقام والمرام إذ إفادة التقديم مطلقا الحصر أكثري لا كلي ولما كان القوم ادعوا حدوث الإيمان فقط ولم يدعوا قصر الإيمان بل لم يدعوا كمال الإيمان فضلا عن ادعاء الاختصاص لم يحسن إنكار دعوى الاختصاص عليهم بل لا يصح ذلك لإيهامه أن أصل دعوى إحداثه ثابت لهم والمنكر ادعاء اختصاص الإيمان بهم دون سائر الناس ولا يخفى فساده ولو قيل الحصر المستفاد هنا ليس ما ذكر بل تخصيصهم بنفي الإيمان بالنظر إلى المؤمنين المخلصين لم يبعد بناء على أن هذا مقتضى القاعدة لكنه بعيد عن السوق والذوق « 1 » فالتقديم لتقوي الحكم فقط إذ العدول إلى الجملة الاسمية وتقديم المسند إليه مع إيلاء حرف النفي لسلوك طريق الكناية في رد دعواهم الباطلة ليفيد رد ما أثبتوه لأنفسهم على أبلغ وجه ( لأن إخراج ذواتهم من عداد المؤمنين ) من غير تقييد بالزمان والمفعول مع إفادة الجملة الاسمية العموم في النفي ( أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي الزمان ) إذ إخراجهم عن الصلاحية للإيمان وعن التمكن له أبلغ عن سلب الإيمان عنهم بدون سلب الاستعداد له نظيره ما ذكره أئمة الأصول من أن نفي الحل عن ذات الشيء أشد مبالغة من نفي حل التناول له مع كون الشيء باقيا على إباحته في ذاته فذكر الملزوم وأريد اللازم إذ نفي كونهم معدودين من زمرة المؤمنين مستلزم لنفي الإيمان عنهم وهو المختار في الكناية « 2 » وإنما قلنا فذكر الملزوم الخ . فإن كون الإيمان ثابتا لهم مستلزم لكونهم معدودين من طائفة المؤمنين ونفي اللازم مستلزم لنفي الملزوم فذكر نفي الملزوم هنا وأريد نفي اللازم كناية ولا ريب في أن الكناية لكونها طريق برهان أبلغ من التصريح لأنها كإيراد شيء مع بينة إذ انتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء الملزوم كأنه قيل في ردهم وما آمنوا لكونهم خارجين عن صلاحية الإيمان وعن زمرة أهل الإيقان فأنى لهم ثبوت الإذعان فهذا الرد مطابق لقولهم في التصريح بالشأن وأما الإشكال بأن هذا إنما يصح لو قيل وما هم من المؤمنين فسخيف جدا فإن نفي فاعليتهم يستلزم نفي صدور الفعل عنهم على أبلغ وجه كما عرفته وهذا يستلزم عدم كونهم معدودين من المؤمنين ولا مدخل في ذلك كون الوصف مجرورا بالباء أو بمن بل الجر بالباء أعون شيء في المراد كما أشار إليه بقوله ( ولذلك أكد النفي بالباء ) أي ولقصد التأكيد والمبالغة في التكذيب إذ زيادة الباء في خبر ما المشبهة بليس لتأكيد الحكم ( وأطلق الإيمان ) عطف على قوله آكد أي ولذلك أطلق الإيمان عما قيدوه من الإيمان باللّه واليوم الآخر إذ نفي المطلق لعمومه مستلزم لنفي المقيد ولذا قال
--> ( 1 ) إذ القصرح إضافي هو إما قصر قلب أو إفراد أو تعيين فلا يناسب هنا واحد منها . ( 2 ) قال الإمام نظيره أن من قال فلأن ناظر في المسألة الفلانية فإن قلت إنه لم يناظر فيها فقد كذبته وأما لو قلت إنه ليس من المناظرين فقد بالغت في تكذيبه يعني أنه ليس من هذا الجنس فكيف يظن به ذلك فكذا هنا انتهى إن أراد أنهما سواء معنى لم يصح وإن أراد أنه يشبهه وإن لم يكن منه صح ومن لم يتنبه له أورده هنا فتدبر .