اسماعيل بن محمد القونوي
530
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بأن المقام مقام الفصل لتناسب الجملتين أما في المسند إليه فظاهر وأما في المسند فلأن كون المتقين على هدى وكونهم مفلحين متناسبان إذ التسجيل على كونهم على هدى وكونهم مفلحين شيء واحد وأن الهدى سبب للفلاح والفلاح نتيجته كما في قوله تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ [ الأعراف : 179 ] الآية . وإلا فما الفرق بينهما فأجاب طيب اللّه ثراه بأن الخبرين هنا مع كونهما متناسبين مختلفان مفهوما ووجودا فإن الهدى سواء كان بمعنى الاهتداء كما هو الظاهر أو بمعنى الدلالة الموصلة في دار التكليف والفلاح التام وهو الظفر إلى المطلوب بلا شائبة المؤاخذة والمناقشة في دار الجزاء واختلاف مفهومهما واضح مع أن إثبات كل منهما أمر مقصود في نفسه أما الفلاح فظاهر وأما الهدى فلأنه في نفسه أمر يتلذذ به وتنشرح به الأرواح ويتنافس فيه المتنافسون وإن كان وسيلة وسببا للفلاح فالجملتان المشتملتان عليهما المستحدثتان في المخبر عنه بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع فلذا عطف إحديهما على الأخرى بالواو التي تقتضي التناسب بين المتعاطفين والجامع بينهما ظاهر مما قررناه آنفا وأما كالأنعام والغافلون فهما وإن اختلفا مفهوما فقد اتحدا مقصودا إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة فلم تفد الجملة الثانية إلا ما أفادت الأولى فتكون مقررة للأولى ومؤكدة لها فلا يناسب العطف فمراده بقوله شيء واحد واحد بحسب المآل والمقصود لا واحد مفهوما وما ذكرناه من كون الهدى مقصودا في نفسه مع كونه وسيلة إلى الفلاح لا يمكن جريان مثله في الغفلة وفي كونهم كالأنعام مع أن مثل هذه النكتة أمر يدور على تلك الإرادة فلو نظر إلى اختلاف مفهومهما وإلى اختلاف يجب أن يراد بالخبرين الإخبار عنهم بالهدى والفلاح قال صاحب الكشف في اختلاف الخبرين أن الهدى في الدنيا وإن استلزم الفلاح في العقبى وبالعكس فضلا أو عدلا على المذهبين لكنهما أمران مختلفان معنى ووجودا والهدى وإن كان وسيلة إلى الفلاح لكنه مطلوب لذاته كأخطاء النفس القدسية بالمعارف الحقة والملكات الفاضلة فإنها وإن كانت مراقي إلى الشهود العياني والنيل الوجداني في دار لكنها في أنفسها مما تلتذ بها النفس في هذه الدار أيضا لذة لا يضاهيها اللذات المخدجة الدنيوية مع ما فيها من الفراغ عن المتاعب التي قلما يخلو منها العاكفون على طلب الحطام فلم يناسب أن يجعل أحدهما مؤكدا للآخر لاختلافهما لفظا ومعنى واباء المقام عن ذلك ركنا ومبنى وأما قوله تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] فالإشارة به إلى من ليس له قلب يفقد عن اللّه ولا بصر يستبصر به آياته المبثوثة في الآفاق والأنفس ولا سمع ينجع فيه كلام المنذر فهو كما ترى مقرر كغفلتهم وبلادتهم وأعراضهم عما يجب النظر فيه وقوله : أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [ الأعراف : 179 ] كالتصريح بما تضمنه التشبيه وإبراز وجه الشبه وتبين أن كمال الغفلة الذي هو عبارة عن القصور عن درجات الإنعام مقصور على هؤلاء الطغاة والتسجيل بكمال الغفلة والتشبيه بالإنعام وإن اختلفا لفظا لا يختلفان غرضا ولا سبيل إلى جعلهما مقصودين لذاتهما إذا لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا النداء بكمال الغباوة وبهذا يظهر ما قيل إن أريد الاختلاف والاتحاد في أصل المعنى فلا فرق لاختلاف التشبيه والغفلة كاختلاف الفلاح والهدى وإن أريد باعتبار اللوازم فكذلك .