اسماعيل بن محمد القونوي

525

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والإبهام قد يفيد فخامة إذ الشيء إذا كان عظيما لا يعرف كيفيته كما في قوله تعالى : الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [ القارعة : 1 ، 2 ] وقد يفيد الإبهام التحقير إذ الشيء ما لم يلتفت يكون مجهولا مبهما أو بيان أنه بلغ مبلغا في انحطاطه لا يعرف قدره والتعيين موكول إلى القرينة والجهة متغايرة فلا إشكال فقوله : ( فكأنه أريد به ضرب لا يبلغ كنهه ) إشارة إلى ما قلناه وإن إفادته التحقير من وجه آخر مغاير له قوله ( ولا يقادر قدره ) مجهول من قادره بالقاف وقدر بسكون الدال ويجوز فتحه أي لا يعرف مقداره وفي الأساس قدرت الشيء قدره وهذا شيء لا يقادر قدر وهو من قولهم تقادر الرجلان إذا طلب كل منهما مساواة الآخر في المقدار وفي كلامه إشارة إلى أن هذا الهدى غير الهدى المذكور كيف لا والمراد به هنا الاهتداء وهناك الهداية وقيل أي أعيد النكرة نكرة لإفادة التعظيم مع عدم سبق الذهن إلى غيره إذ لا تعدد في الهدى ولا يخفى ضعفه لما مر على أنه إن أراد عدم تعدده في نفسه فمسلم لكن لا يفيده وإن أراد عدمه بحسب المراتب فغير مسلم والمستند ظاهر مما ذكره المصنف في سورة الفاتحة « 1 » . التفسيرية مقحمة لمزيد البيان وقال صاحب الكشف ولك أن تقدر الخبر محذوفا أي واضح أو لا يخفى بعد ما فش معنى كونه منه وهذا أقرب مأخذا أقول توجيه القطب أقرب إلى الذهن لأن المتبادر من قوله أي منحوه من عنده معنى الخبرية فإن السامع عند استماع هذا الكلام يأخذ منه أن معنى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] هدى منحوه من ربهم ولا يخفى منظر إلى أن خبر المبتدأ بعده ما فالوجه أن يكون مجيء أي المفسرة بين المبتدأ والخبر لتأكيد الاتحاد بينهما كما توسط الواو بين الصفة والموصوف في وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [ الكهف : 22 ] لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف وبين مفعولي صير لتأكيد الاتحاد بينهما كما في قوله وصير في هواك وبي لحيني بضرب المثل فإن معناه وصيرني هواك بضرب المثل في لحيني والواو مزيدة لتأكيد اللصوق وأقول يمكن أن يكون خبر المبتدأ . قوله : وهو اللطف والتوفيق توسط الواو بين المبتدأ والخبر لتأكيد اتحادهما وارتكاب زيادة الواو بين المبتدأ والخبر أوفق للاستعمال من زيادة أي التفسيرية إذ لم يعهد زيادة أي المفسرة بين المبتدأ والخبر في كلام العرب بخلاف الواو وما في البيت من هذا القبيل لأن مفعولي أفعال القلوب مبتدأ وخبر في الأصل على أن جعل الخبر قوله هو اللطف والتوفيق أنسب لحال الزمخشري في ترويج مذهبه لأن الإخبار به عنه مهتم بشأنه عنده والمقصود من الجمل الخبرية إفادة المتكلم لمخاطبه ما أفادته له مقصودة عنده ومن المعلوم أن المشاغب يقصد أولا وبالذات أن يدمج في أثناء كلام هو بصدده ما هو مطلوبه من المشاغبة فاقتضى ذلك هنا أن يكون قوله ومعنى مبتدأ ولفظة أي مع ما بعده تفسيرا للمبتدأ والخبر قوله هو اللطف والتوفيق مع أن فيه تكرر الإسناد المنبىء عن حد المتكلم في إفادة مضمونه وهو كما قال الحكيم الفلسفي في جواب قول السني العالم حادث العالم أي ما يعلم به الصانع وهو قديم فإن جعل خبر المبتدأ ما يعد الواو هنا أولى

--> ( 1 ) قوله لا يبلغ ببناء المجهول أي لا يدرك والكنه الحقيقة والنهاية كما في كتب اللغة أي لا يصل أحد إلى حقيقته ونهايته ومثل هذا شائع في كلامهم مرادهم إما البالغة أو ظاهر حقيقته .