اسماعيل بن محمد القونوي

504

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

إلى الجواب بأن الإيقان مختص بهم إذ المراد الإيقان المقيد والقرينة على ذلك القيد كون السوق شرحا لحالهم المختص بهم ألا يرى أن الإيمان بما أنزل من قبله استقلالا مختص بهم وكذا الإيقان لوقوعه في جنبه فلا تعريض لمؤمني أهل الشرك أصلا كما مر توضيحه سابقا قوله ( زال معه ما كانوا عليه ) أي مع ذلك اليقين ولقد أجاد في قوله معه هذا الوصف بمنزلة التعريف له إذ الإيقان كما سيجيء اتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال وهو في شأنهم ذلك المذكور فإنهم آمنوا بالآخرة إيمانا غير معتد به لقولهم ( من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هود أو نصارى وأن النار لم تمسهم إلا أياما معدودة ) لكنهم قاطعون بذلك لا شاكون فيه إلا أن ينزل قطعهم وجزمهم منزلة الشك ومعنى اليقين في حق غيرهم اتقان العلم بحيث يزول معه ما كانوا عليه من الإنكار أو التردد فيه . قوله : ( واختلافهم ) مجرور معطوف على قوله أن الجنة أي ومن اختلافهم ( في نعيم الجنة أهو من جنس نعيم الدنيا أو غيره وفي دوامه وانقطاعه ) منهم من قال إنهم لا يتناكحون ولا يأكلون ولا يشربون وإنما يتلذذون بالروائح الطيبة والأصوات الحسنة والسرور فإن غيره لأجل النماء والبقاء وهم في غنية عنه ومنهم من قال إنهم من قال إنهم يأكلون ويشربون ويتناكحون على حسب مجراها في الدنيا وفي هذا البيان تصريح بأن اليهود والنصارى معترفون بالمعاد الجسماني والظاهر أنه مذكور في التوراة والإنجيل « 1 » فلا يعرف وجه ما قيل من أن الكتب السالفة لم تتعرض لتفصيل أحوال الآخرة فلذا ظن أهلها ظنونا فارغة بخلاف القرآن الناطق بتفصيلها وبيانها وفي شرح الطوالع أن موسى عليه السلام لم يذكر المعاد الجسماني ولم يذكر في التوراة وإنما ذكر في كتب حزقيل وشعيا والمذكور في الإنجيل إنما هو المعاد الروحاني فتدبر انتهى . فإذا لم يذكر المعاد الجسماني قوله : واختلافهم في نعيم الجنة فإن منهم من قال إن حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب أحوالهم في الدنيا ومنهم من زعم أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه الدار لأجل نماء الأجسام وللتوالد والتناسل وأهل الجنة مستغنون عن ذلك فلا يتلذذون إلا بالنسيم والروائح العبقة والسماع اللذيذ والفرح والسرور واختلفوا أيضا في دوام نعيم الجنة وانقطاعه .

--> ( 1 ) قال اللّه تعالى عن عيسى عليه السلام : السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا وهذه الآية على أن عيسى عليه السلام ذكر المعاد الجسماني في المهد صبيا فضلا عن ذكره بعد كونه نبيا وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أن لك موعدا قال المص أي الآخرة لن تخلفه لن يخلفك اللّه تعالى وينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدنيا : قوله تعالى : وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ قوله تعالى : وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ قوله تعالى : يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وأن الآخرة هي دار القرار قوله تعالى : وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً فهذه الآيات ناطقة بأن موسى عليه السلام أخبر قومه بالمعاد الجسماني كما يظهر لمن نظر إلى التفاسير لا سيما البيضاوي فمن ادعى خلافه فليبين دليله حتى ننظر إليه ونتكلم عليه فالاكتفاء بمجرد الدعوى بلا بيان بالبرهان الأقوى في مثل هذه المسألة العليا مما يتحير فيه العقول ويتوحش منه الفحول .