اسماعيل بن محمد القونوي
491
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
للمتقين بخلاف الآية الثانية في هذا الوجه وعلى تقدير أن يكون الذين يؤمنون بالغيب موصولا بالمتقين لئلا يلزم الفصل بالأجنبي بين المبتدأ والخبر وبين المعطوف والمعطوف عليه وبهذا يظهر وجه تقديمه على ما بعده وأما تأخيره عن الأول فلبعده عن المعطوف عليه . قوله : ( فكأنه قال هدى للمتقين عن الشرك ) أي فقط أو عن جميع الكبائر أو مع التبتل إليه تعالى بشراشره فتنتظم الأوجه الثلاثة والذين آمنوا أي ( و ) هدى ( للذين آمنوا من أهل الكتاب ) بالقرآن بعد الإيمان بالكتب المنزلة قيل وهم وإن كانوا متقين ومن إفرادهم لكنهم ليسوا بمتقين عن الشرك بالمعنى المذكور وبهذا الاعتبار تصح المقابلة فلا إشكال بأنهم من جملة المتقين كما صرح به أولا فكيف تصح المقابلة والنكتة في هذا التخصيص للإيذان بتنزههم عن حالتهم الأولى بالمرة لما فيها من كمال الخروج عن الشرائع بأسرها المستدعية الاتقاء عن تلك الحالة الشنيعة بخلاف أهل الكتاب فإنهم متمسكون بأصول الشرائع وإن حرفوا بعضها عن موضعه وموحدون على زعمهم فلا يخرجون عنها بالكلية فلا يليق الإيذان بأنهم تنزهوا عن حالتهم الأولى بالمرة وهذه نكتة مصححة لا موجبة فلا تغفل وإنما قال فكأنه قال هدى الخ لعدم الجزم بهذا المعنى وإنما قلنا إيمان أهل الكتاب بالكتب المنزلة قبل الإيمان بالقرآن لأن إيمانهم بما أنزل قبل القرآن إيمان قديم ليس بحادث ومثابون عليه كما قال اللّه تعالى : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [ القصص : 54 ] الآية قال المصنف هناك مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن قال المصنف في أواخر سورة الحديد ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخا ببركة الإسلام إذ إيمانهم السابق بكتابهم كان معتدا به بسبب إيمانهم بالقرآن كما أن أعمال الكفار الصالحات يكون معتدا بها بعد الإيمان بالقرآن صرح به علي القاري في شرح حديث لأهل الكتاب أجران ولذهول ابن الكمال عن هذه الدقيقة اللطيفة قال إن إيمانهم بما أنزل من قبله إيمان حادث لا إيمان ثابت لأن إيمانهم السابق إنكار له في الحقيقة لا تصديق به وقد أنطق اللّه الحق في تفسير الآية المذكورة فقال مرة الخ على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن . قوله : ( ويحتمل أن يراد بهم الأولون ) فتعريف الموصولين للجنس وزيفه بالتعبير بالاحتمال لانتفاء ما هو الأصل في العطف وهو تباين المتعاطفين وأما عدم كونه مأثورا فمشترك بين هذا وبين الوجه الثاني والمراد بالأولين هم الذين آمنوا عن الشرك والإنكار وهذا ضعيف بل المراد بهم جميع المتقين سواء كانوا من أهل الشرك أو من أهل الكتاب فيجعل كلا الموصولين عبارة عن الكل مندرجا تحت المتقين واندراج إيمان الكتب المنزلة في الإيمان بالغيب لا يضر لأنه للاعتناء بشأنه ذكر بعده على أن الاندراج غير ظاهر كما سيجيء التوضيح من المص ( بأعيانهم ) والأعيان جمع عين بمعنى الذات أي ما صدقت عليه الأسماء الموصولة في النظم متحد بحسب الذات متغاير بحسب المفهوم والصفات وذكر أعيانهم للتنبيه على ذلك أي أن المراد الأولون لكن من جهة الذات وأما من جهة الصفات فلا وإلى هذا أشار بقوله ووسط العاطف الخ .