اسماعيل بن محمد القونوي
478
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
في الموضعين الاحتمالين ولا يخفى بعده في مثل هذا المقام ثم هذا القائل قال في حل قول المص وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب وإبقاء النظم على اللغة ما أمكن أوفق لقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ يوسف : 2 ] وهنا يدعي أن العدول عن العرف خلاف الظاهر مع إمكان اللغة والغرض مجرد الاستئناس واحتمال اللغة كاف فيه ولهذا قال الراغب في تفسيرها تجعلون نصيبكم من النعم تحويل الكذب والمصنف تبعه هنا فيه . قوله : ( والعرف خصصه ) الظاهر من كلامه أن الرزق بالكسر اسم للحظ المعنى والتفسير ( بتخصيص الشيء بالحيوان ) يناسب المصدر إلا أن يقال هذا من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي الشيء المخصص ولكمال مدخلية التخصيص فسر به يؤيده قوله للانتفاع به إذ الانتفاع لا يكون إلا بالشيء المخصص لا التخصيص وينصره قول شارح المواقف الرزق كل ما انتفع به حي سواء كان بالتعدي أو بغيره مباحا أو حراما انتهى . والمراد بغيره المشروب والملبوس والعبيد ولهذا قال تخصيص الشيء ولم يقل تخصيص المال ونحوه ومعنى التخصيص قصر الشيء عليه بحيث لا يوجد في غيره ولما كان المعنى اللغوي شاملا للغذاء ولغيره وللأمور المحسوسة والمعنوية وللحرام والحلال والأولاد والأزواج والعرف خصصه الخ . والمعنى اللغوي عام والعرفي خاص ببعض افراد العام قوله ( للانتفاع به ) علة غائية للتخصيص والانتفاع به كالأكل والشرب واللبس والركوب والسكنى ونحوها واحترز به عن تخصيص الشيء بالحيوان لا للانتفاع بل للمضرة ( وتمكينه منه ) بالجر أي ولتمكينه منه « 1 » أي من الانتفاع به بحيث لا يمنعه مانع منه بأن ساقه اللّه تعالى إليه وأعطاه إياه لينتفع به وليس معنى التمكين إعطاء القدرة إذ لا خلاف في أن أصل القدرة من اللّه تعالى وأن القدرة المتعلقة بالفعل ليست منه تعالى وإنما الخلاف هل يسوق الحرام إلى العباد ويعطيهم إياه لينتفعوا به أم لا فعندنا الشق الأول مختار وعند المعتزلة الشق الثاني كما سيجيء . قوله : ( والمعتزلة لما استحالوا على اللّه تعالى ) أي عدوا محالا فسين استفعل للعد قوله : والمعتزلة لما استحالوا من اللّه الخ هذا رد على صاحب الكشاف فيما فسر به هذه الآية الشريفة موافقا لمذهبه حيث قال وإسناد الرزق إلى نفسه للاعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى اللّه تعالى ويسمى رزقا منه فإن في قوله يستأهل أن يضاف إلى اللّه ويسمى رزقا منه أن الحرام لا يستأهل أن يسند إلى اللّه تعالى وأن يسمى رزقا منه بناء على ما ذهبوا إليه من أن القبائح لا ينبغي أن تسند وتضاف إلى اللّه عز وجل لا نزاع بيننا وبين المعتزلة في أن المراد بما رزقناهم الحلال وإنما النزاع في أن صرفه إلى الحلال لأي سبب فعند المعتزلة في أن جهة أن الحرام ليس برزق عندهم فإن الإسناد إلى اللّه تعالى يكون للإشعار بأنه لا يكون إلا حلالا لأن القبائح لا تسند إلى اللّه تعالى وعندنا من جهة أن المدح والاتصال بالتقوى إنما يكون في
--> ( 1 ) الواو بمعنى أو الفاصلة إذ مراده الإشارة إلى القولين الأول الانتفاع بالفعل معتبر والقول الثاني التمكن من الانتفاع يكفي وإن لم ينتفع بالفعل والمص جمع بينهما فلو قال أو التمكن لكان أولى .