اسماعيل بن محمد القونوي

422

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أن يقال إنه اكتفى به لكونه مختارا عنده وأحال على المقايسة على ذلك واكتفاؤه بهذا وعدم تعرضه لعكسه تنبيها على رجحانه على عكسه إذ كون الكتاب المتحدى به أمر معلوم يليق أن يكون محكوما عليه وأما اتصافه بأنه المؤلف من جنس الخ . وإن كان معلوما أيضا لكنهم لما قالوا إنه سحرا وشعر كأنهم لم يعلموا أنه مؤلف من جنس ما يركبون فكان لائقا بأن يكون محكوما به فعدل عن عكسه مع أنه مختار صاحب الكشاف إذ الاعتبار المذكور وهو تنزيل علمهم بمنزلة الجهل غير جار هنا لإصرارهم على المتحدي والمعارضة والمعازة ومن هذا ينكشف حسن ما ذكرناه من أن جعل ألم مبتدأ تارة وخبرا أخرى لا يليق هنا إذ الضابط الذي ذكر في مثل زيد المنطلق والمنطلق زيد اعتباره هنا تكلف ( وذلك الكتاب جملة ثانية ) . قوله : ( مقررة لجهة التحدي ) تفصيل ما أجمله أولا ( ولا ريب فيه جملة ثالثة تشهد على كماله بأنه الكتاب ) متعلق بقوله مقررة ( المنعوت بغاية الكمال ) . قوله : ( تشهد على كماله ) أي تبين عليه فالشهادة مستعارة له إذ قد عرفت أن الحصر المستفاد من تعريف المسند حصر الكمال على وجه المبالغة كما مر توضيحه واتصافه بغاية الكمال من جهة لفظه ومعناه فهو معجز من جهتهما وبإعجازه هاد إلى الطريق الأقوم بخلاف غيره من الكتب السماوية وهذا معنى قول شارح التلخيص معنى ذلك الكتاب أنه الكامل في الهداية لأن الكتب السماوية إنما تتفاوت بحسبها لا غير أي لا غير الهداية من نحو الإعجاز إذ لا إعجاز لكتب السماوية حتى يكون القرآن أكمل منها فيه بل ببلاغته وإعجاز نظمه يهدي إلى أنه من عند اللّه تعالى دون سائر الكتب فهذه الجملة بمنزلة التأكيد اللفظي كما نقل عن الشيخ عبد القاهر . هو ارسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا وأن يقال قوله ألم جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها وذلك الكتاب جملة ثانية ولا ريب فيه ثالثة وهدى للمتقين رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم حيث جيء بها متتابعة هكذا من غير حرف نسق وذلك لمجيئها مناخية أخذا بعضها بعنق بعض فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقرير الجهة المتحدي وشدا من اعضاده ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة وتسجيلا بكماله لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ولا نقص انقص مما للباطل والشبهة وقيل لبعض الحكماء فبم لذتك فقال في حجة تتبختر إيضاحا وفي شبهة تتضاءل افتضاحا ثم أخبر عنه بأنه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ونظمت هذا النظم السري من نكتة ذات جزالة ففي الأولى الحذف والرمز إلى الفرض بألطف وجه وأرشقه وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد وإيراده منكرا والإيجاز في ذكر المتقين زادنا اللّه اطلاعا على أسرار كلامه وتثبتا لنكت تنزيله وتوفيقا للعمل بما فيه تم كلامه .