اسماعيل بن محمد القونوي

405

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وهذا كثير في القرآن لكن أكثرهم ذهبوا إليه « 1 » مع وضوح فساده فتدبر فإن العقل من ذلك يتحير ( فائدة ) اختلفوا في أن الهداية هل هي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في غيرها أو بالعكس أو هي مشتركة بينهما اشتراكا لفظيا أو موضوعة للقدر المشترك ذهب إلى كل طائفة ويمكن التوفيق بينهم بمثل ما مر نقله عن بعض الأفاصل بأن مراد بعضهم بالنظر إلى اللغة والبعض الآخر بالنظر إلى العرف أو إلى استعمال الشارع فح يرتفع الاختلاف بينهم في الجملة وإن لم يرتفع بالجملة فتأمل بسليقة سليمة وكن على بصيرة والظاهر أن المص اختار الاشتراك المعنوي حيث قال الهداية الدلالة ولم يقيد بالمطلقة فيشمل الدلالة المطلقة والدلالة المقيدة وقيل اختار المص الأول ولما كانت الدلالة المطلقة شاملة لحصول الوصول فلا يخالف ما ذكره في سورة الفاتحة من أنها تتنوع إلى أنواع رابعها كشف الأمور بوحي ونحوه مما يختص بالأولياء والأنبياء عليهم السلام وهي دلالة موصلة بلا ريب . قوله : ( واختصاصه بالمتقين ) الأولى وتخصيصه إذ لا اختصاص بهم قال تعالى : هُدىً لِلنَّاسِ [ البقرة : 185 ] بل التخصيص بالذكر والنكتة مسوقة له إلا أن يقال المراد ولكل وجهة هو موليها والقول الجامع فيه ما قال الراغب قال الهداية دلالة بلطف ومنه الهدية وهوادي الوحش مقدماتها لكونها هادية لسائرها وخص ما كان من الدلالة بفعلت نحو هديته الطريق وما كان من الإعطاء بافعلت نحو أهديت الهدية وأما نحو قوله تعالى : فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 23 ] فعلى التهكم والهداية هي الإرشاد إلى الخيرات قولا وفعلا وهو من اللّه تعالى على منازل بعضها يترتب على بعض لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول ولا الثالث إلا بعد الثاني فأولها اعطاؤه العبد القوي التي بها يبتدئ إلى المصالح إما تسخيرا وإما طوعا كالحواس الخمس والقوة المفكرة وعلى ذلك قوله تعالى : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] وثانيها الهداية بالدعاء وبعثة الأنبياء وإياها عنى بقوله : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ السجدة : 24 ] وثالثها هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوا من الخيرات وهو المعنى بقوله : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ [ الحج : 24 ] من القول : وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ [ الحج : 24 ] وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] قال بعض المحققين الهدى من اللّه كثير ولا يبصره إلا البصير ولا يعمل به إلا اليسير ألا ترى إلى نجوم السماء ما أكثرها ولا يهتدى بها إلا العلماء ورابعها التمكين مما يجاوز به في دار الخلد وإياها عنى بقوله : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [ الأعراف : 43 ] تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] فإذا ثبت ذلك فمن الهداية ما لا ينتفى عن أحد بوجه ما ومنا ما ينتفي عن بعض ويثبت لبعض ومن هذا الوجه قال تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] فإنه مبني على الهداية التي هي التوفيق وادخال الجنة دون التي هي الدعاء كقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى : 52 ] .

--> ( 1 ) حتى ذهب إليه الفاضل الخالي في حاشية شرح العقائد مع علو كعبه في تحقيق المقاصد .