اسماعيل بن محمد القونوي

397

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( والريب في الأصل مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس واضطرابها ) آخر بيان معنى الريب عكس الكشاف لأن تحقيق مضمون الجملة أهم لكونها مشبهة كما عرفت وجه تقديم الكشاف وهو أن منشأ الإشباه كون الريب بمعنى الشك فمن لم يعلم معناه لا يتوجه الإشكال حتى يشتغل بدفعه فللتقديم وجه وجيه لكن المص نظر إلى كون الريب بمعنى الشك واضح معروف فلا يحتاج إلى البيان وبيانه بعد تحقيق مضمونها لتوضيح أصله وسبب إطلاقه على الشك لا لأنه بمعنى الشك فإنه معروف مفروق مفروغ عنه ولكل وجهة قوله في الأصل أي في أصل اللغة مصدر الفعل المتعدي وهو راب أشار إليه بقوله رابني الشيء إذا حصل من التفعيل فبك الريبة بكسر الراء وهي أيضا مصدر لكنه لازم إذ قلق النفس واضطرابها لازم فتحصيل الريبة ريب والريبة مطاوعة وقد يستعمل الريبة متعديا كما سيجيء في الحديث وأصل فلق النفس عدم السكون والقرار كتقلب المريض على فراشه والاضطراب بمعناه لأنه افتعال من الضرب كأنه ضرب فاضطرب ويقابله الاطمئنان ثم عم الحركات الحسية والمعنوية والقلق الحاصل من الشك حركة معنوية . قوله : ( سمى به الشك ) أي استعمل فيه مجازا بالنسبة إلى أصل اللغة والعلاقة ما أشار إليه بقوله ( لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة ) أي من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب كذا قالوا لكن فيه نوع ضعف إذ قلق النفس كما يحصل بالشك يحصل أيضا بغيره كالخوف والحزن فمن أين يعلم خصوصية الشك بذكر قلق النفس فتأمل في جوابه وأيضا الشك من إفراد ما قام به الريب فإنه يقلق النفس ويحصل فيها الاضطراب لا من قبيل ذكر المسبب وإرادة السبب والغلط إنما نشاء من عدم التفرقة بين القلق المتعدي واللازم فإن الشك فرد من الشيء الذي يقلق النفس وسبب للقلق اللازم فهو أي الريب نقل من العام إلى الخاص فيكون حقيقة اصطلاحا وإن كان مجازا بالنظر إلى اللغة من قبيل ذكر متعلق العام وإرادة الخاص وقوله سمي به يؤيد ما ذكرناه إذ التسمية شائعة في وضع اللفظ مطلقا أو الاسم قوله : إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس الخ حصل بالتشديد والريبة بكسر الراء قال الراغب الفرق بين الشك والمرية والريب والإرابة والتخمين والحدس والوهم والخيال والحسبان والظن أن الشك هو وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما عن الآخر بأمارة والمرية هي التردد في المتقابلين وطلب الأمارة مأخوذ من مري الضرع أي مسحه للدر فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن والريب أن يتوهم في الشيء أمرا ما ثم ينكشف عما توهم فيه والارابة أن يتوهمه فيكشف خلاف ما توهم ولهذا قيل القرآن فيه إرابة وليس فيه ريب والتخمين توهم لا عن امارة والحدس اسراع الحكم بما يأتي به الهاجس من غير توقف فيه مأخوذ من حدس في سيره أي اسرع والوهم صورة تتصورها في نفسك سواء كان لها وجود من خارج كصورة إنسان ما أو لم يكن لها وجود كعنقاء مغرب والخيال تصور ما أدركه الحاسة في النفس والحسبان اعتقاد عن امارة اعتدت سواء كان له وجود في الحقيقة أو لم يكن وهو مشتق من حسب الحساب والظن أعم معنى من ذلك كله فإنه اعتقاد عن امارة مما قد ثبت فمتى كانت تلك الامارة ضعيفة جرى مجرى خلت وحسبت ومتى كانت قوية جرى مجرى علمت .