اسماعيل بن محمد القونوي

390

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله ونحوه بالجر عطف على قوله بقوله أي ونحو القول السابق كقوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] الآية فإن قيل هذا إنما يستقيم إذا أريد بآلم السورة لا القرآن كله ولا المؤلف من هذه الحروف لدخول قوله تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ [ المزمل : 5 ] الآية في الكتاب الموعود فلا يصح الوعد به قلنا إنه إذا أريد بالم القرآن فيراد بالقرآن بعضه إما مجازا كما هو المختار لما مر مرارا من أن القرآن وكذا الكتاب موضوع للمؤلف المخصوص تركيبا خاصا أو هما يعم الكل والبعض على ما هو مصطلح الأصوليين قلنا وكذا الكلام إذا أريد به المؤلف من جنس هذه الحروف أو المراد القرآن كله وإطلاق الموعود عليه للتغليب وهذا هو الظاهر إذ الكتاب الموصوف بكونه لا ريب فيه هدى للمتقين عام لكل جزء جزء منه أو لكل جزئي منه وله نظائر كثيرة مثل قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] الآية فهل يجوز لك أن تقول والمنزل سوى هذه الآية وقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ [ البقرة : 23 ] الآية فهل يسوغ لك أن نتجاسر على أن الإعجاز بغير هذه الآية دونها وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [ النساء : 174 ] الآية هل البرهان والنور المبين غير هذه الآية دون هذه أم هو صادق عليها وما سواها فتأمل وكن على بصيرة . قوله : ( أو في الكتب المتقدمة ) الظاهر أن المراد بها التوراة والإنجيل فالجمع ما فوق الواحد فلا يرد ح ما يرد على الأول من أنه إنما يستقيم إذا أريد بالم السورة فلا يحتاج إلى الجواب ومع ذلك آخره لأن كون الموعود إنزاله في الكتب المتقدمة لا يفيد العهدية إلا إذا كان الرسول عليه السلام عالما قبل هذه الإشارة بذلك الوعد والقول بأنه لعله أوحي إليه هذا من قبل لا يفيد إذ العهدية ح مستندة إلى الوحي لكن إن ثبت هذا يتحقق البعد على تقدير الإشارة إلى الكتاب الموعود مطلقا ثم لا يخفى أن الموعود في الكتب كل القرآن فإذا أريد بالم القرآن أو المؤلف من الحروف فالأمر ظاهر وإن أريد به السورة فحمل الكتاب عليه إما أن يراد بالسورة كل القرآن مجازا بطريق ذكر الجزء وإرادة الكل والقرينة قوله : وأصل الكتب الجمع بيان لعلاقة المجاز فإن في كل من الكتابة والعبارة جمعا غير أن العبارة جمع الحروف والألفاظ والكتابة جمع صور الحروف ونقوشها الدالة على ما في العبارة قال الراغب الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة وفي العرف ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض في اللفظ ولهذا سمي كتاب اللّه وإن لم يكتب كتابا لقوله تعالى : ألم ذلِكَ الْكِتابُ [ البقرة : 1 ، 2 ] وقوله إني عبد اللّه آتاني الكتاب ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والغرض بالكتابة ووجه ذلك أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب والإرادة مبدأ والكتابة منتهى ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أراد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى قال تعالى : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] وقال : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ التوبة : 51 ] ويعبر بالكتابة عن القضاء الممضي أو ما يصير في حكم الممضي وقد حمل على هذا قوله : بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [ الزخرف : 80 ] وقوله تعالى : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [ المجادلة : 22 ] .