اسماعيل بن محمد القونوي
35
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
[ الحج : 46 ] كذا في المواقف وبما ذكرناه من أن لفظة أو لمنع الخلو اندفع ما قيل من أن العطف بالواو أولى لأن القلب محل الإدراك والإلقاء عبارة عن الجد في تحصيل المدرك ولا بد من الأمرين مع أن النظم وقع هكذا وكلام المص اقتباس قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] وتخصيص إلقاء السمع من بين أسباب الإدراك لمناسبته المقام في النظم الكريم وفي كلام المص أيضا وما قيل من أن المراد بمن كان له قلب ذوو الأنفس القدسية الغنية عن الكسب والتعلم وبمن ألقى السمع المحتاج إلى ذلك فضعيف لأن المراد أوساط الناس أو أعم منها لأن من ألقى السمع فله قلب واع أيضا فلا يصح التخصيص وأيضا غناء النفوس القدسية ليس بمسلم في عموم الأشخاص ولو سلم ذلك لكن لأن ذلك في عموم الأوقات وكذا القول بأن الأول إشارة إلى مرتبة الاجتهاد والثاني إلى التقليد ضعيف أيضا . قوله : ( فهو في الدارين حميد ) أي محمودا إما في الدنيا فظاهر وإما في الآخرة فمحمود أيضا بحمده من اقتبس بنوره وانتفع بعلمه أو حامد في الكونين ( وسعيد ) أي في الدنيا حيث عمل بمقتضى الفرقان وفي الآخرة سعيد بمعنى أنه معدود من زمرة السعداء . قوله : ( ومن لم يرفع إليه رأسه ) أي من لم يرفع إلى المنزل رأسه كناية عن استكباره عن الإيمان به والعمل بمقتضاه وحاصله ومن ليس له قلب واع ولم يلق إليه السمع لكنه عدل عنه لنكتة بارعة لأن في قوله لم يرفع رأسه إشارة إلى علو مرتبته ورفعة منزله لأن الناظر إنما يرفع رأسه لما كان عاليا عليه ومرتفعا فوقه ففي كلامه استعارة مكنية وتخييلية فتأمل وكن على بصيرة وفيه صنعة الاحتباك أيضا إذ في الأول ذكر قلبا واعيا لما في المنزل القرآن ولم يذكر رفع الرأس وفي الثاني عكس ذلك مع أن كلا منهما مراد في الموضعين . قوله : ( وأطفأ نبراسه ) مهموز من أطفأ النار قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [ التوبة : 32 ] الآية قيل وقد يراد معتلا وليس هذا بمتعارف قوله والنبراس المصباح مستعار للعقل فإنه رأس مال كالفطرة التي فطر الناس عليها يتوسلون به إلى درك الحق ونيل الكمال فلما ضاع ذلك باعتقاد الباطل وبعدم رفع رأسه إلى القرآن بقي خاسرا وعن الربح آيسا وهذا هو المراد بإطفاء النبراس . قوله : ( يعش ذميما ) « 1 » بالجزم جواب للشرط . قوله : ( ويصل سعيرا ) وبالجزم بإسقاط الياء عطفا على يعش وفي نسخة وسيصلى بالرفع على الاستئناف كأنه قيل حاله في الدنيا قد علمت فما حاله في الآخرة فأجيب بأنه سيصلى البتة سعيرا أي نارا موقدة والسعير علم لدرك مخصوص من دركات جهنم لكن المراد هنا مطلق دار العقاب اختار هنا للفاصلة وعلم من هذا البيان أن المراد بمن الكافر مطلقا وأما الموحد الفاسق فإما داخل في القسم الأول أو حاله مسكوت عنه .
--> ( 1 ) ذميما بالذال المعجمة أي مذموما في الدنيا وإن كان ذا مال وجاه ظاهرا .