الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
530
مرآة الحقائق
عطف الفضيلة على الوسيلة التي هي المقام المحمّدي المخصوص به في ذروة عالم الجنان ؛ إشارة إلى تفضيله بذلك المقام على سائر أهل المقامات من الأنبياء والأولياء عليهم السّلام ؛ كتفضيله بمرقده اللطيف على سائر أهل المراقد ، فمرقده عين الوسيلة ، وصورتها في هذا الموطن ؛ ولكن لا يعرفه إلا أهل المراقد العالي ، فاعرف . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وأبعثه مقاما محمودا الذي وعدته » « 1 » : : أي بقولك في التنزيل : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] . : أي يقيمك فيه ، وهو المقام الكلي الجامع لجميع مقامات الكمال . ومنها مقام الشفاعة العظمى « 2 » ، فعسى أطماع ، والأطماع من الكريم :
--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) قال الرصاع : صاحب الشفاعة : اسم من أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وردت به الآثار ، ومشهور الأخبار . وقد قدمنا أنّ من أسمائه الشفيع المشفع ، ولكل اسم منها معان تخصه مما دل على أنه عند مولاه بالمحل الأرفع . فصاحب الشفاعة : أي المنفرد يوم القيامة بالسيادة وقضاء الحاجة ، وتنفيس الكربة ، وإظهار الكرامة حيث يعظم الهول ، ويشتد الأمر ، وتكثر الندامة . والألف واللام في الشفاعة : يحتمل أن تكون للعهد ، أي صاحب الشفاعة المعهودة في الموقف العظيم ، والخطب الجسيم ، والهول الشديد في يوم الوعيد ؛ يوم : ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد . فإذا جثت الخلائق على الركب ، وتميزت في العالم الأخروي أهل المكانة والرتب ، والتجأ أهل المحشر إلى سيد العجم والعرب ، أبرز مالك الملوك مكانة حبيبه في أعين العالمين ؛ وأبان قدرة وفضله وشفاعته على سائر الخلائق أجمعين . ويحتمل أن تكون الألف واللام للجنس : أي صاحب كل شفاعة احتاج الخلق إلى اللّه تعالى فيها ، فلا يجدون أقرب ، ولا أعلى من حبيبه وصفيه وخليله صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ الذي لا ينازعه أحد فيها . وقد قدمنا حديث الشفاعة في اسميه الشفيع المشفع ، وذكرنا شفاعته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبيّنا أقسامها بكلام مختصر أجمع . ومما يناسب ذكره في هذا الاسم الكريم ويزيد القلوب حبّا وشوقا إلى النبي العظيم ، ما ذكره بعض المفسرين في قوله تعالى : لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [ الحجر : 44 ] . -