الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

444

مرآة الحقائق

--> - وانتصاب العبد بين يديه ، فجاء فوقف بين يديه ممسكا عن جميع الشهوات جامعا لهذه الجوارح بين يديه ؛ كهيئة العبد الذي يريد أن يفي بما ضمن من التسليم ، وأن يتدارك ما فرط منه فلمّا فرط منه ما فرط مضى على تسلميه قلبا وفعلا ؛ ولكنه لّما فرّط في الوفاء ؛ احتاج إلى أن يقف بين يديه معتذرا ممّا فرّط مسلّما نفسه إليه . ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « جدّدوا إيمانكم قالوا : بماذا يا رسول اللّه ؟ قال : بلا إله إلا اللّه » . وعنه قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال ربكم الأعلى : لو أن عبادي أطاعوني لأمطرت عليهم بالليل ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد » . فإنما احتاجوا إلى تجديد الإيمان ؛ لأنه قد خلق بوله القلوب إلى الأسباب ؛ لأن من صدق الإيمان أن يكون وله القلوب إلى اللّه - تعالى - الذي أوله الخلق إليه ، فإذا ولهت إلى شيء دونه ذهبت قوة الإيمان وطراوته فاحتيج إلى تجديده . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان حلو نزه فنزهوه » . وكذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لسلمان رضي اللّه عنه : « قل اللهمّ إني أسألك صحة في إيمان ، وإيمانا في حسن خلق ، ونجاحا يتبعه فلاح ، ومغفرة منك ورضوانا » . فلا يسأل الصحة في الإيمان إلا من سقم ، فإذا تعلق القلب بأسباب دونه افتتن وتعلق بغير معلقه ، وكان ولهه إلى غير من هو إليه صائر . فإن قوله : لا إله إلا اللّه ، هذه مقالة من قلب خلق وإيمان سقيم ؛ فلذلك قال : « جدّودا إيمانكم » ، وكذلك الإسلام . كما أمر هاهنا بتجديد الإيمان قلبا ، كذلك أمر بتجديد الإسلام نفسا في أن يقوم إليه معتذرا ، وقد جمعت له جوارحك المنتشرة في شهواتك التي لم يؤذن لك فيها فتجدّد تسليما ، ولم يكن انتشارك هذا نقضا للعقدة : عقدة التسليم ؛ ولكن كان نقضا للوفاء : وفاء التسليم . فإن هذه الجوارح السبع كانت عندك بأمانة وأمرت بحفظهنّ ، فتوكلّت برعايتهنّ ، والراعي إذا أهمل غنمه ؛ حوسب وعوقب وغرم ، فإذا أصبحت انتشرت كلّ جارحة منك ترعى في واديها ، فالسمع في وادي الاستماع للأصوات ، والبصر في وادي النظر إلى الألوان ، واللسان في وادي المنطق ، وكذلك كلّ جارحة . وفي هذه الأودية سموم قاتلة من المراعي ، وذئاب ضارية ، وأجراف هاوية فعلى الراعي أن يحفظ -