الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
514
مرآة الحقائق
كان المذكور من الصيام والإتّباع كما في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كصيام الدهر » « 1 » : أي السنة أو العمر ، فإن الدهر هو اللّه تعالى ، وصيامه إشارة إلى صمدانيته التي لا تقتضيه الأكل والشرب ونحوهما ؛ يعني : كان ذلك اتصافا بصفة اللّه تعالى ، وهو التنزّه في مدة العمر عن الأمور الطبيعية البشرية ؛ ولذلك أورد الست على التأنيث ؛ إشارة إلى الليالي ، فإن الست مع ثلاثين . وكذلك الست معها تبلغ إلى الاثنين وسبعين ؛ وهي مدة العمر لهذه الأمة غالبا ، وعندها يغلق باب التوبة الذي بين مصراعيه سبعون سنة ، هذا من خواص شهر رمضان . وأمّا صوم غيره فليس بهذه المثابة ؛ بل كل يوم عشرة على مقتضى قوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] . فالحديث المذكور يخصّص هذه الآية ، ففرّق بين عموم الحسنة وخصوصها ، وربما يكون الحسنة الواحدة من واحد من المقرّبين تملؤ ما بين السماء والأرض بخاصتها التي هي الإخلاص ، فإن الإخلاص سرّ من أسرار اللّه أيضا لا يودعه اللّه إلا في قلب من يشاء من عباده . ولا شك أن السر أوسع من الروح ، أوسع من الجسد ، وذلك إن الجسد من عالم الملك ، والروح من عالم الملكوت . كما دلّ عليه قوله تعالى : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [ يس : 83 ] : أي روحه الذي يلي الحق ؛ ولذا يقبضه الحق بيده . وأمّا السرّ فمن عالم الجبروت ، وسرّ السرّ من عالم اللاهوت ، وربما يطلقون السرّ ويريدون به سرّ السرّ ؛ وهو السرّ المطلق الساري في الأرواح الإنسانية ، وهو مكشوف عند الإكليل ، مخفى عند غيرهم ، وبه يظهر الفرق بين العارف والجاهل . فطوبى لمن صام الدهر كله ؛ وهو مفطر . فإن الصوم الحقيقي ليس بصوم الوصال صورة ؛ بل بصومه معنى ، كما قال
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2 / 822 ) ، وأبو داود ( 2 / 324 ) .