الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

511

مرآة الحقائق

--> - وسمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : الغذاء المبارك فسمّي هذا صوما » . والصوم هو : الكفّ عن عادة تعتادها ، فإذا منعت النفس تلك العادة ، اشتد عليها ، فكان في ذلك تسليم الجسد إلى اللّه - تعالى - لأن النفس إذ مالت إلى الشهوات فقد مالت بأركانها عن اللّه - تعالى - إلى دنياها ، فعلى قدر الميل عن - اللّه - تعالى والتباعد عنه تنقص البركة ، وتنزوي عنه ، وإذا انحلت البركة عن شيء قلّت وذلّت ، وصارت مدخولة ، وإذا مالت إلى اللّه - سبحانه وتعالى - بمنعها عادتها وشهواتها ازدادت قربة إليه ، وإذا ازدادت قربه إليه حلت بها البركة ، فإذا حلت البركة زكت وربت ، والزكاة : النمو ، والاحتشاء من الخير والازدياد . والآدمي خلق أجوف ، ووضع في جوفه الإيمان ، والعلم ، والحكمة ، والعقل ، والفهم ، والسكينة ، والوقار ؛ وهذه كلها جنود القلب ، والرغبة ، والرهبة ، والشهوة ، والغضب ، والمكر ، والحرص ، والجبن ، والبخل في ناحية ؛ وهذه كلها جنود النفس ، فإذا امتنع من عادة النفس ، كان في ذلك بذل النفس للّه - تعالى - والتسليم إليه ، فإذا قبلها زكت بما أعطيت من الإيمان ، والعقل ، والعمل ، وما ذكرنا من الخيرات ، ووفرت فصار هذا الصوم زكاة الجسد . ألا ترى أن الصائمين كيف يجدون لذة العبادة ، وكيف يجدون نفوسهم ساكنة هادئة ، ومن هاهنا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام » . فإذا صام ؛ حلّت البركة ونما فيه كلّ شيء من الخير ، واحتشى ، وازداد فضلا بحلول البركة ، فإذا امتنعت البركة من هذه الأشياء ؛ بقيت كلها معطّلة لا تعمل شيئا وكأن اللّه - تعالى - جعل هذا الصوم سببا لحلول البركة ؛ فربا وزكا ونما كل خير فيه ، واحتشت النفس من الخير ، وقد عظّم ربنا - تعالى - فعل هذا العبد حيث منع نفسه هذه العادة . فروي لنا في الخبر أن رسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يقول - اللّه - تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، عبدي يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، وللصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحه حين يلقى اللّه تعالى » . فهذا موافق لقوله عزّ وجلّ : « إن تقرّب إليّ عبدي شبرا تقرّبت منه ذراعا » شكرا له هذا القدر حيث مال إليه وترك طعامه وشرابه ساعات من النهار حتى يحكي فعله في الملإ الأعلى ، فيقول : « عبدي ترك طعامه وشرابه من أجلي » ، ثم يقول : « هذا لي وأنا أجزي به » أي : لا أكل ثوابه إلى غيري . وإنما صارت الأعمال له ، وهذا للّه ؛ لأن نيّته وإضماره على أن يمنع نفسه عادة اعتادها ، وليس هو بفعل الأركان . ثم قال النبي : « للصائم فرحتان : فرحة عند فطره » . -